يجب أن نكرس أنفسنا للتحرر من الماضي!
في
الآونة الأخيرة، كنت أنا
وزوجتي نشاهد المسلسل الدرامي
الكوري *Forecasting Love
and Weather* (التنبؤ بالحب والطقس). ومع
ذلك، وبينما كنت أشاهد
المسلسل مع زوجتي
الحبيبة بالأمس، تذكرت كتاباً
كنت قد قرأته
قبل زواجنا، وهو
كتاب: *Making Peace with
Your Past* (صنع السلام مع ماضيك)
للمؤلف إتش. نورمان رايت.
(وبالمناسبة، قبل زواجي، كنت
قد كوّنت تقديراً
عميقاً وشخصياً للكتب التي
كتبها إتش. نورمان رايت
حول موضوع الزواج).
ولعل السبب في تبادر
هذا الكتاب إلى
ذهني هو أنني،
أثناء مشاهدة المسلسل، شعرت
بأن البطلة الرئيسية—التي بدت عاجزة
عن نسيان الرجل
الذي واعدته لمدة عشر
سنوات، بل وكانت
مخطوبة له قبل
أن تُفسخ خطوبتهما—كانت تسمح للتأثير
المستمر لتلك العلاقة العاطفية
الماضية بأن يلقي بظلال
سلبية كبيرة على علاقتها
الحالية مع البطل
الرئيسي. (وفي الوقت نفسه،
لاحظت أيضاً أن الرجل
الذي واعدته في الماضي—لفشله في قطع
الروابط معها بشكل حاسم—كان يواصل التدخل
في شؤونها، مما
تسبب في إلحاق
ضرر بالغ بزواجه
الحالي). وبناءً على ذلك،
عقدت العزم على التأمل
بعمق أكبر في الكيفية
التي يمكننا بها تحقيق
التحرر الحقيقي من الماضي؛
وأود هنا أن أقوم
بتنظيم وصياغة أفكاري الشخصية
حول هذا الموضوع
من خلال تدوينها
في هذا المكان.
1. إن كلمة
الله التي أتمسك بها
في صلاتي موجودة
في إنجيل يوحنا
8: 32: "وتعرفون الحق، والحق يحرركم".
2. إن كلمات
يسوع—الذي هو "الحق"
(يوحنا 14: 6)—تأمرنا بأن "نغفر
لأخينا من قلوبنا"
(متى 18: 35).
3. ومع ذلك، فإن
السبب الذي يجعلنا نفشل
(أو نعجز؟) عن
طاعة كلمات يسوع هذه—على الرغم من
معرفتنا بها—هو أن
الجروح التي ألحقها بقلوبنا
أولئك الذين أحببناهم يوماً
في الماضي هي
ببساطة جروح هائلة وعميقة
للغاية. (على سبيل المثال:
الجروح التي ألحقها بنا
أبٌ أو أمٌ
أحببناهما؛ الجروح التي ألحقها
بنا زوجٌ أو
زوجةٌ أحببناهما؛ الجروح التي ألحقها
بنا حبيبٌ أو
حبيبةٌ أحببناهما؛ وهلم جراً).
4. ماذا ينبغي علينا
أن نفعل حيال
الجروح التي ألحقها بنا
آباؤنا، أو أزواجنا،
أو أبناؤنا، أو
إخوتنا، أو أقاربنا؟
إذن، كيف ينبغي لنا
أن نستجيب للمصاعب
والمعاناة والألم والجراح التي
تعترض حياتنا؟ في كتابه
*الإله الراقص* (The Dancing God)، يقترح
هنري نووين أربع طرق
محددة للاستجابة؛ ويشير إلى هذه
النقاط الأربع بوصفها "الخطوات
الأربع للرقص مع الله":
أ.
الخطوة الأولى في الرقص
مع الله هي
أن ننوح على
الألم والمعاناة التي نكابدها.
يجب علينا أن
نبكي حين يحين وقت
البكاء. ومع ذلك، فحين
نبكي، يجب أن نفعل
ذلك أمام الصليب.
وعلاوة على ذلك، حين
نكون في خضم
الألم والمعاناة، يجب علينا أن
نمضي إلى حضرة الله
الآب ونخبره بدقة عن
مدى الألم الذي
يعتصرنا. غير أنه لسببٍ
ما، وبدلاً من
الاعتراف بآلامنا ومعاناتنا وأحزاننا،
غالباً ما نحاول
إنكارها، أو تجاهلها،
أو كبتها في
أعماق قلوبنا. وإذا ما
فعلنا ذلك، فمن المستحيل
أن تعود علينا
المصاعب التي نمر بها
بأي نفعٍ يُذكر.
بل على العكس
من ذلك—وتماماً كما فعل
بنو إسرائيل في
العهد القديم—فإننا نواجه خطراً
كبيراً بالوقوع في الخطيئة
ضد الله، وذلك
من خلال التذمر
والشكوى في كل
مرة نواجه فيها
الشدائد.
ب.
الخطوة الثانية في الرقص
مع الله هي
أن نواجه وجهاً
لوجه الأسباب الجذرية لآلامنا
ومعاناتنا. يجب علينا أن
ننظر مباشرةً إلى الخسائر
الخفية التي شلّت حركتنا،
وحبستنا داخل زنزانةٍ من
الإنكار والعار والشعور بالذنب.
ما هي، بالتحديد،
أسباب آلامنا ومعاناتنا؟ لا
يمكننا أن نختار
ما إذا كنا
سنواجه هذه الأسباب أم
لا، ما لم
نقم أولاً بتحديد
ماهيتها؛ ومع ذلك—وفي كثيرٍ من
الأحيان—يبدو أننا نظل
غافلين تماماً عن الأصول
الحقيقية للألم والمعاناة التي
نكابدها. ونتيجةً لذلك، لا
يقتصر الأمر على عجزنا
عن مواجهة أسباب
آلامنا وأحزاننا وجهاً لوجه
فحسب، بل إنه
حتى لو *كنا*
نعلم تلك الأسباب، فإن
غرائزنا البشرية تدفعنا إلى
تجنبها بدلاً من مواجهتها
مباشرةً. والسبب في ذلك
بسيط للغاية: لقد اعتدنا
على أسلوب التجنب.
وما لم نواجه
وجهاً لوجه الأسباب الجذرية
للألم والمعاناة التي نكابدها،
فلن يتسنى لنا
أن ننال تلك
النعمة التي يفيض بها
الله علينا من خلال
التجارب التي أُتيحت لنا.
ج.
الخطوة الثالثة في هذه
الرقصة هي أن
نخطو *إلى داخل* خضم
الألم والمعاناة والخسارة والجراح،
وأن نعبر *من
خلالها*. ويجب ألا نهدر
أبداً قدراً مفرطاً من
طاقتنا في محاولة
الإنكار. بل إنه،
ومع إدراكنا لواقع
حالنا، يتحتم علينا أن
نقتحم مباشرةً غمار الألم
والمعاناة والفقد والجراح التي
نعيشها؛ إذ لا
يجوز لنا بعد الآن
أن نتملص منها،
بل يجب علينا
أن ندخل نفق
الألم والمعاناة. ورغم أن هذا
النفق قد يكون
مظلماً ومخيفاً، إلا أنه
لا بد لنا
من ولوجه على
أية حال؛ فما
لم ندخل هذا
النفق، لن تُثمر
التجارب التي وُضعنا فيها
أي نفعٍ يُذكر.
د.
أما الخطوة الرابعة
والأخيرة من هذه
"الرقصة"، فتتمثل
في لقاء الله
الآب وسط الألم والمعاناة
والفقد والجراح. إذ يجب
علينا أن ندخل
نفق الألم والمعاناة
والفقد والجراح، وهناك، يتحتم
علينا أن نستشعر
الألم والمعاناة والفقد والجراح
التي احتملها يسوع. وحينما
نفعل ذلك، يحلّ الشفاء
على آلامنا وجراحنا
نحن؛ وفضلاً عن ذلك،
نغدو حينئذٍ أدواتٍ في
يد الرب، إذ
يُقامنا لكي نكون "معالجين
مجروحين".
5. في
كتابه *شفاء المشاعر المجروحة*
(Healing for Damaged Emotions)،
يذكر المؤلف — ديفيد أ.
سيماندز، وهو مبشّر سابق
في الهند — أن
أحد أكثر أشكال
"المشاعر المجروحة" شيوعاً هو الفشل
في إدراك المرء
لقيمته الذاتية. ويصف هذه
الحالة بأنها حالة "شخص
يحمل قلقاً مستمراً، وينظر
إلى نفسه باعتباره
غير كفؤ، ويعاني
من عقدة النقص،
ويردد لنفسه باستمرار: 'أنا
لا أصلح لشيء'".
ويشير كذلك إلى أن
"نوعاً آخر من الأشخاص
يعاني من 'عقدة الكمال'؛ فهؤلاء
الأفراد يسعون ويبحثون باستمرار،
ومع ذلك يظلون
مُبتلين على الدوام بالشعور
بالذنب ومحاصرين داخل عقلية
تُصرّ على أنهم *يجب*
عليهم دائماً أن يكونوا
منشغلين بفعل شيء ما".
ويضيف قائلاً: "هناك شكل آخر
من أشكال المشاعر
المتضررة، يُشار إليه هنا
بمصطلح 'الحساسية المفرطة'". فأولئك
الذين يتسمون بالحساسية المفرطة
"يكونون عُرضة باستمرار للإصابة
بجروح عاطفية عميقة". وعلاوة
على ذلك، هناك
أشخاص تمتلئ حياتهم بـ
"الخوف". ولعل أعظم هذه
المخاوف هو الخوف
من الفشل. ويلاحظ
سيماندز أن "معظم المسيحيين
ينكرون وجود مشكلات عاطفية
خطيرة بداخلهم". ويوضح قائلاً: "نظراً
لافتراضهم أن كون
المرء مسيحياً ممتلئاً بالروح
يحل تلقائياً جميع
المشكلات، فإنهم يستمرون في
كبت جروحهم العاطفية
المؤلمة أو إخفائها.
وبديلاً عن ذلك
— ونتيجة لروح تفتقر إلى
الحرية الحقيقية — قد يعانون
من شعور طاغٍ
بالذنب، بل وقد
ينخرطون في ممارسات
لإيذاء الذات". غير أنه يحذر
من أن "المشكلات
التي لم يتم
حلها لا تفعل
شيئاً سوى أن تستقر
تحت سطح حياة
المرء، لتظهر لاحقاً في
أشكال متنوعة"؛ مما
يؤدي — على سبيل المثال
— إلى الإصابة باعتلالات جسدية،
أو الاكتئاب، أو
السلوك غير المتزن، أو
حياة منزلية تعيسة. وإذا
كنا نُضمر "جروحاً
عميقة في قلوبنا
قيّدت حركتنا منذ الماضي"، فإن
ما يجب علينا
تذكره هو الآتي:
"إن الله يرغب في
أن نكسر قيود
القهر التي ربطتنا بالماضي،
وأن نعيش حياة
من الحرية؛ وعلاوة
على ذلك، فإن
الله يعيننا على كسر
تلك القيود والتمتع
بتلك الحياة المتحررة". ويؤكد
ديفيد أ. سيماندز
— المبشّر السابق في الهند
— أن الله يشفي جروحنا
(أي "مشاعرنا المجروحة")،
ويوجز ست خطوات
تتعلق بالدور الذي يجب
علينا أن نؤديه
في هذه العملية،
وهي: (1) أن ننظر
إلى المشكلة وجهاً
لوجه وبكل صراحة؛ (2) أن
نقرّ بأننا نتحمل قدراً
من المسؤولية عن
المشكلة، أياً كانت طبيعتها؛
(3) اسأل نفسك ما إذا
كنت ترغب حقاً
في الشفاء؛ (4) سامح
كل من شارك
في المشكلة؛ (5) سامح
نفسك؛ و(6) اطلب من
الروح القدس أن يكشف
لك جوهر المشكلة
وأن يرشدك إلى
كيفية الصلاة بشأنها (سيماندز).
6. إن الجروح
التي نُصاب بها في
العلاقات العاطفية قد تكون
مدمرة لنا حقاً؛ بل
إنها قد تدفعنا
إلى حد اليأس
من ذواتنا—أو حتى
التخلي عن أرواحنا.
ونظراً لأن مثل هذه
الجروح في العلاقات
العاطفية قد تُفضي
إلى عواقب مخيفة
كهذه، فإنني أرغب في
التأمل في هذا
الأمر بمنتهى الجدية، فاحصاً
إياه في ضوء
كلمة الله. ورغم أن
هناك الكثير مما أجهله،
إلا أنني أود
تدوين الأفكار التي خطرت
ببالي.
أ. إن
الفكرة الأولى التي تتبادر
إلى ذهني هي—بطبيعة الحال—جروح يسوع. وبالطبع،
عندما نكون متألمين جراء
علاقة عاطفية، قد لا
تخطر جروح يسوع ببالنا
على الإطلاق. ومع
ذلك، إذا منحنا الله
النعمة لكي نستحضر جروح
يسوع في أذهاننا
عن قصد، فيجب
علينا حينئذٍ أن نتأمل
في *السبب* الذي
جعل يسوع يتحمل
تلك الجروح. والسبب
هو أن يسوع
قد عانى تلك
الجروح *نيابةً عنا*. إن
جروح يسوع هذه تختلف
اختلافاً جوهرياً عما نطلق
عليه عادةً اسم "الجروح
الناجمة عن العلاقات
العاطفية". ففي العلاقات العاطفية،
نحن نعاني الجروح
*بسبب* الشخص الآخر—وليس *من أجل*
الشخص الآخر... إذ لا
أحد يعاني الجروح
*من أجل* شخص
آخر أو *نيابةً
عنه* دون غاية وهدف.
وإذا كنا قادرين على
تحمل مثل هذه الجروح
في إطار علاقة
عاطفية، فإنني أعتقد أننا
بذلك نسعى نحو بلوغ
بُعدٍ أسمى للعلاقة—بُعدٍ يسعى إلى
محاكاة محبة يسوع.
ب.
أما فكرتي الثانية
فتتعلق بمفهوم "القدرة على تقبّل
الجروح". لقد عانى يسوع
الجروح نيابةً عنا؛ أفلا
ينبغي لنا نحن أيضاً—بصفتنا مسيحيين—أن نمتلك
القدرة على تحمل الجروح
نيابةً عن أولئك
الذين نحبهم؟ وإذا كنا
قادرين بالفعل على فعل
ذلك، فإنني أعتقد أننا
بذلك نسعى نحو تجسيدٍ
رائعٍ وناضجٍ حقاً لمحبة
الرب. ومع ذلك، يبدو
أن عدداً كبيراً
جداً من العلاقات
العاطفية يعاني من نقص
مؤسف في القدرة
على تقبّل الجروح
*من أجل* الشريك
أو *نيابةً عنه*.
وبالطبع، قد يدعي
البعض أنهم *يفعلون* ذلك
بالفعل؛ أي أنهم
يتحملون الجروح من أجل
أحبائهم أو نيابةً
عنهم. ومع ذلك، فإنني
أتساءل عن مدى
القدرة الحقيقية التي يمتلكونها
لتحمل مثل هذا القدر
من المعاناة. وعلاوة
على ذلك، يساورني
شك في أن
البعض قد يعيشون
تحت وطأة وهمٍ
ما؛ إذ يعجزون
عن التمييز بين
ما إذا كانت
قدرتهم على تقبّل الجراح
تُعد مقبولة حقاً في
نظر الرب، أم
أنها مقبولة في نظرهم
هم فحسب.
ج.
تتمحور فكرتي الثالثة حول
كلمة "الشفاء". فالجراح التي أُلحقت
بنا لا بد
أن تُضمَّد وتُشفى؛
وأجد نفسي أتأمل في
الكيفية الدقيقة التي يصبح
بها هذا الأمر
ممكناً. وبطبيعة الحال، يُخبرنا
الكتاب المقدس بأن الله
هو الشافي. وعلى
وجه التحديد، يشير
المزمور 147: 2 إلى أنه في
غمرة عملية شفاء جراحنا،
يقوم الرب أولاً بشفاء
قلوبنا المنكسرة من الداخل،
وحينها فقط يشرع في
شفاء إصاباتنا الظاهرة على
الجسد. ومع ذلك، عندما
نتأمل في *الكيفية* التي
يشفي بها الرب فعلياً—وبالأخص، كيف يُرمِّم
تلك "القلوب المنكسرة"—ندرك
أنه يفعل ذلك
من خلال محبة
الله الآب؛ وهي محبة
أعظم وأوسع وأعمق بكثير
من المحبة الرومانسية
التي نجدها في العلاقات
البشرية. فمن خلال محبة
الله الآب هذه وحدها...
يمكن لِتلك الجراح التي
تلقيناها في علاقاتنا
الرومانسية أن تُشفى.
وكما يغمر المحيط الشاسع
مجرى نهرياً صغيراً، كذلك
يتحقق عمل الشفاء حين
تغطي محبة الله العظيمة
حتى أعمق الجراح
البشرية. ففي خضم العلاقات
الرومانسية، قد نتكبد
جراحاً عميقة وواسعة النطاق
تسببها تجربة الانفصال؛ وفي
غمرة يأسٍ قد يدفعنا
إلى كره كل
شيء—بما في ذلك
البشر—وربما حتى كره
الله نفسه في نهاية
المطاف، وحيث قد نُغرى
بالتخلي عن أنفسنا؛
فإن الله، بكل
تأكيد، لا يتخلى
عنا—نحن أبناءه المجروحين—ولن يتركنا أبداً
وشأننا. بل على
العكس من ذلك،
يسعى أبونا السماوي بنشاطٍ
للبحث عنا والاقتراب منا،
راغباً في أن
يحتضننا بمزيدٍ من القوة
والشدة داخل حِمى محبته؛
فنحن أبناؤه وبناته الجميلون،
الذين يُكنّ لهم كل
تقدير واعتزاز، رغم ما
يعترينا من انكسار.
وحين نلقي بأنفسنا في
أحضان الله—تماماً كما فعل
يونان—وحين نسمح لأنفسنا
بأن تحتضنها ذراعا
يسوع الممدودتان على الصليب، وحين
نلمس بعيون الإيمان يديه
المثقوبتين بالمسامير، وجنبه المجروح، وندوبه
المقدسة؛ حينها ستتلاشى جراحنا
تماماً، ولن تترك خلفها
أي أثر. 7. وأخيراً، أود أن
أختتم حديثي بتأملٍ وجيزٍ
في شخصية يوسف؛
ذلك "المعالج الجريح" الذي
وجد حريته الحقيقية
من ماضيه. فكما
يصوّر لنا "سفر التكوين"، كان
يوسف محبوباً حباً جماً
لدى أبيه يعقوب؛
غير أنه لم
يلقَ من إخوته
العشرة الأكبر سناً حباً،
بل قوبل بكراهيةٍ
شديدةٍ كادت تودي بحياته
على أيديهم. ومع
ذلك، نجّى الله يوسف
من تلك المواجهة
القريبة مع الموت؛
وفي نهاية المطاف،
وبلوغه سن السابعة
عشرة، بِيعَ عبداً في
أرض مصر. وبعد
أن قضى فترةً
في العبودية داخل
بيت "فوظيفار" —وهو قائدٌ عسكريٌ
مصري— لُفِّقت له تهمةٌ
ظالمةٌ أُلقي على إثرها
في السجن. ولو
ظل يوسف أسيراً
لماضيه، لكان من المؤكد
أنه ما كان
ليغفر لإخوته قط (بل
لربما وجد في ذلك
أمراً مستحيلاً)؛ وبدلاً
من ذلك، كان
من الممكن أن
يضمر لهم الأحقاد ويسعى
للانتقام منهم (سفر التكوين
50: 15). غير أنه، وعوضاً عن
الثأر لنفسه، اختار أن
يطمئن إخوته الخائفين، واعداً
إياهم بأنه سيتولى رعايتهم،
ليس هم فحسب،
بل أبناءهم أيضاً...
وقد ظل يرعاهم
حتى وافته المنية
(وهو في سن
المائة وعشر سنوات) (الآيات
20-22، من كتاب
*إنجيل الإنسان المعاصر*). تُرى،
كيف تمكّن يوسف
من فعل ذلك؟
وكيف استطاع أن ينعم
بالتحرر من أسر
الماضي —عبر مسامحة إخوته— بل وأن يخطو خطوةً
أبعد من ذلك،
فيبادلهم حباً فعلياً وعملياً؟
إنني أجد الإجابة في
سفر التكوين 50: 19،
حيث يقول: "لقد
قصدتم بي شراً،
ولكن الله حوّل ذلك
الشر إلى خير، ومكّنني
من إنقاذ حياة
الكثير من الناس
اليوم" (*إنجيل الإنسان المعاصر*).
8. لقد
توصلتُ إلى الاعتقاد بأن
السر الكامن وراء قدرة
يوسف على مسامحة إخوته
بصدق يرتكز على حقيقتين
محددتين. الحقيقة الأولى لا
تقبل الجدل: لقد ارتكب
إخوة يوسف بالفعل شراً
بحقه. فمدفوعين بالكراهية، تآمروا
لقتله، وانتهى بهم المطاف
ببيعه عبداً في مصر.
ومن الواضح أنهم
لم يخطئوا في
حق الله فحسب،
بل أخطأوا أيضاً
في حق يوسف
نفسه. وهذه حقيقة لا
يسعنا إنكارها. وكان يوسف
أيضاً، بلا شك، مدركاً
لهذا الواقع، ولم يكن
بوسعه إنكاره. ومع ذلك،
وفي أمرٍ لافتٍ
للنظر، وضع يوسف ثقته
في حقيقة *ثانية*
بدلاً من الحقيقة
الأولى. ولهذا السبب بالتحديد،
تمكّن يوسف من أن
يمنح إخوته ذلك الغفران
الصادق. وتلك الحقيقة الثانية
هي: "أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي
شَرّاً، أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ
بِهِ خَيْراً" (الآية 20). ورغم صحة القول
بأن إخوته قد
قصدوا إلحاق الأذى به،
إلا أن يوسف
لم يسمح لنفسه
بالتركيز حصراً على ذلك
الواقع، ولم يدع نفسه
تستهلكها تلك الحقيقة. وبدلاً
من ذلك، وعوضاً
عن التوقف طويلاً
عند ما اقترفه
إخوته، اختار أن يركز
حياته على ما أنجزه
الله. وبعبارة أخرى، قَبِلَ
يوسف—بواسطة الإيمان—تلك الحقيقة القائلة
بأنه وإن كانت أفعال
إخوته قد استهدفت
إلحاق الضرر به، فإن
الله قد حوّل
تلك الأفعال ذاتها
إلى شيءٍ صالح،
إذ أرسل يوسف
سابقاً إلى مصر ليُقام
فيها رئيساً للوزراء. وعلاوة
على ذلك، تمكّن
يوسف من منح
إخوته ذلك الغفران النابع
من القلب لأنه
أدرك الغاية القصوى الكامنة
وراء تدابير الله معه.
وتلك الغاية الإلهية—أي مشيئة
الله—كانت "لِيَسْتَبْقِيَ حَيَاةَ كَثِيرِينَ، كَمَا
هُوَ صَائِرٌ الْيَوْمَ" (الآية
20). ولأن يوسف استوعب هذه
المشيئة الإلهية، فقد تمكّن
من أن يسامح
بصدق أولئك الإخوة أنفسهم
الذين سعوا يوماً إلى
تدميره.
9. إذن،
هذا هو السر
الحقيقي للغفران. فبدلاً من
التركيز على الأفعال الشريرة
التي ارتكبها الآخرون بحقنا،
حينما نقبل بالإيمان عمل
الله—الذي يجعل كل
الأشياء تعمل معاً للخير
حتى في خضم
تلك الظروف—فإننا نكتسب القدرة
على مسامحة أولئك
الذين أخطأوا في حقنا.
أما إذا توقفنا
حصراً عند الأخطاء أو
الخطايا التي اقترفها الآخرون
ضدنا، فلن نتمكن أبداً
من مسامحتهم. ومع
ذلك، حين نصل إلى
إدراك العناية الإلهية—مستبصرين كيف عمل
الله من خلال
تلك الأخطاء والخطايا
ذاتها ليُخرج منها خيراً
أعظم—فإننا نكتسب القدرة
على منح الغفران.
وحين تستقر هذه القدرة
على الغفران في
أعماقنا، فإن غفراننا لا
يقتصر مجرداً على إبراء
ذمة الشخص الآخر
من هفواته وخطاياه؛
بل في الواقع،
لا يمكن للغفران
أن يتوقف عند
تلك النقطة. وبعبارة
أخرى، لم يكتفِ
يوسف بمجرد مسامحة إخوته؛
بل قدم لهم،
بقلبٍ مكرسٍ بالكامل لرعايتهم
ورعاية أبنائهم، كلمات عزاءٍ
نابعةٍ من الصميم.
فمتخلياً تماماً عن مشاعره
الخاصة، ومتصرفاً بدلاً من
ذلك بقلب الله
الآب المملوء صلاحاً، سعى
يوسف بصدقٍ وإخلاصٍ إلى
تعزية إخوته. لم يكن
غفران يوسف سلبياً مجرداً؛
وبالتأكيد لم يختتم
بمجرد إبراء إخوته من
أخطائهم وخطاياهم. لقد كان
غفرانه غفراناً فاعلاً. إذ
ذهب إلى أبعد
من ذلك، ماداً
جسور محبته لإخوته من
خلال وضع نفسه مكانهم.
فلم يكتفِ بتقديم
تعزيةٍ عميقةٍ لإخوته—الذين كانوا يرتعدون
خوفاً—بل وعدهم
أيضاً بتلبية احتياجاتهم واحتياجات
عائلاتهم بأسرها. لقد تعهد
يوسف بتحمل المسؤولية الكاملة
عن رعايتهم. ولكي
نحيا حياةً تتسم بهذا
النوع من الغفران،
يتحتم علينا أن نركز
على حقيقةٍ ثانية:
وهي العمل الذي
أنجزه الله بنفسه. إذ
يجب علينا أن
ندرك العناية الإلهية التي
من خلالها يُدبّر
الله كل الأمور
لتؤول جميعها إلى الخير.
وحتى حين نتألم على
أيدي الآخرين، يجب علينا
أن نثبت عيون
إيماننا على الله—الذي يواصل تدبير
كل الأمور للخير
حتى في تلك
اللحظات العصيبة من الألم—وأن نصل، من
خلال الصبر والاحتمال، إلى
أن نذوق ونرى
أن الرب صالح
(مزمور 34: 8). وحين نذوق صلاح
الله ذاك، سنغدو قادرين
حقاً على مسامحة الآخرين.
10. حين
تكون قلوبنا مثقلةً ومضطربة،
وحين نشعر بالإحباط واليأس،
أو حين نصارع
وسط دوامةٍ من
القلق والهموم، يجب علينا
أن نرفع أبصارنا
بإيمانٍ نحو "رب الرجاء".
فمن المؤكد أن
الرب سيأتي لنجدتنا؛ وسيجلب
لنا الشفاء بلا
أدنى شك. وفي وقته
الخاص وبطريقته الخاصة، سيمد
الرب يده الحانية ليرعى
قلوبنا المنكسرة ويشفي أرواحنا
المجروحة. وسيقيم الرب قلوبنا
ويحررها. (جيمس كيم، "المنكسرو
القلوب")
댓글
댓글 쓰기