기본 콘텐츠로 건너뛰기

“亲爱的弟兄啊,我们应当彼此相爱” [约翰一书 4:7–21]

  “ 亲爱 的弟兄 啊 ,我 们应当 彼此相 爱 ”       [ 约 翰一 书 4:7–21]     “ 亲爱 的弟兄 啊 ,我 们应当 彼此相 爱 ,因 为爱 是 从 神 来 的。凡有 爱 的,都是 从 神生的, 并 且 认识 神。 没 有 爱 心的,就不 认识 神,因 为 神就是 爱 。神差他 独 生子到世 间来 ,使我 们 借着他得生,神 爱 我 们 的心在此就 显 明了。不是我 们爱 神,乃是神 爱 我 们 ,差他的 儿 子 为 我 们 的罪作了挽回祭, 这 就是 爱 了。 亲爱 的弟兄 啊 ,神 既 是 这样爱 我 们 ,我 们 也 当 彼此相 爱 。 从来没 有人 见 过 神,我 们 若彼此相 爱 ,神就住在我 们 里面, 爱 他的心在我 们 里面得以完全了。神 将 他的 灵 赐给 我 们 , 从 此就知道我 们 是住在他里面,他也住在我 们 里面。父差子作世人的救主, 这 是我 们 所看 见 且作 见 证 的。凡 认 耶 稣为 神 儿 子的,神就住在他里面,他也住在神里面。神 爱 我 们 的心,我 们 也知道也信。神就是 爱 ,住在 爱 里面的,就是住在神里面,神也住在他里面。 这样 , 爱 在我 们 里面得以完全,我 们 就可以在 审 判的日子坦然无 惧 ,因 为 他如何,我 们 在 这 世上也如何。 爱 里 没 有 惧 怕; 爱既 完全,就把 惧 怕除去,因 为惧 怕里含着刑 罚 , 惧 怕的人在 爱 里未得完全。我 们爱 ,因 为 神先 爱 我 们 。人若 说 ‘我 爱 神’,却恨他的弟兄,就是 说谎话 的;不 爱 他所看 见 的弟兄,就不能 爱没 有看 见 的神。”“……我 们从 神受了 这 命令: 爱 神的,也 当 爱 弟兄。”   若要喜 乐 地 参与 主 亲 自 带领 “ 胜 利 长 老 会 ”( Victory Presbyterian Church ) 这 一群体——即 祂 的身体——的 伟 大 圣 工,我 们 首先必 须 省察自己 内 心的 动 机。 圣 经教导 我 们 要追求的 并 非 属 世的 爱 ,而是那 来 自天上、 圣 洁 且“ 真 诚 的 爱 ”(即 没 有 虚 伪 的 爱 )。 请 看《 罗马书 》 12 ...

"أيها الأحباء، لنحب بعضنا بعضاً" [1 يوحنا 4: 7–21]

 

"أيها الأحباء، لنحب بعضنا بعضاً"

 

 

 

[1 يوحنا 4: 7–21]

 

 

"أيها الأحباء، لنحب بعضنا بعضاً، لأن المحبة هي من الله، وكل من يحب فقد وُلد من الله ويعرف الله. ومن لا يحب لا يعرف الله، لأن الله محبة. بهذا أُظهرت محبة الله فينا: أن الله قد أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي نحيا به. في هذه هي المحبة: ليس أننا نحن أحببنا الله، بل أنه هو أحبنا، وأرسل ابنه كفارة لخطايانا. أيها الأحباء، إن كان الله قد أحبنا هكذا، فينبغي لنا نحن أيضاً أن نحب بعضنا بعضاً. الله لم يره أحد قط؛ إن أحببنا بعضنا بعضاً، فالله يثبت فينا ومحبته تتكامل فينا. بهذا نعرف أننا نثبت فيه وهو فينا: أنه قد أعطانا من روحه. ونحن قد رأينا ونشهد أن الآب قد أرسل الابن مخلصاً للعالم. من اعترف بأن يسوع هو ابن الله، فالله يثبت فيه وهو في الله. ونحن قد عرفنا وصدقنا المحبة التي لله فينا. الله محبة، ومن يثبت في المحبة يثبت في الله والله يثبت فيه. بهذا تكاملت المحبة فينا: أن تكون لنا ثقة في يوم الدينونة، لأنه كما هو، هكذا نحن أيضاً في هذا العالم. لا خوف في المحبة، بل المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج؛ لأن الخوف له علاقة بالعقاب، ومن يخاف لم يتكامل في المحبة. نحن نحبه لأنه هو أحبنا أولاً. إن قال أحد: «إني أحب الله» وأبغض أخاه، فهو كاذب؛ لأن من لا يحب أخاه الذي أبصره، لا يقدر أن يحب الله الذي لم يبصره." "...ولنا هذه الوصية منه: أن من يحب الله يحب أخاه أيضاً."

 

لكي نشارك بفرح في عمل الرب العظيم المتمثل في قيادة جماعة "كنيسة فيكتوري المشيخية" (Victory Presbyterian Church) —التي هي جسده شخصياً، يجب علينا أولاً أن نفحص دوافع قلوبنا. فالكتاب المقدس يأمرنا ألا نسعى وراء محبة أرضية، بل وراء محبة مقدسة و"صادقة" (محبة بلا رياء) تأتي من السماء. تأمل في الجزء الأول من رسالة رومية 12: 9: "لْتَكُنِ الْمَحَبَّةُ بِلاَ رِيَاءٍ. كُونُوا كَارِهِينَ الشَّرَّ، مُلاَصِقِينَ الْخَيْرَ". هنا، تشير "المحبة الصادقة" المذكورة في الكتاب المقدس إلى "المحبة بلا رياء"؛ وهي محبة متجردة تماماً من التظاهر والمظاهر الخارجية التي تخفي التناقض بين الذات الداخلية والمظهر الخارجي. إنها دعوة الرب الجادة لتحطيم ذلك القناع الديني الذي ينطق بكلمات البركة والمحبة بينما يضمر الحسد والدينونة في الداخل. فكيف إذن يمكننا - متجاوزين قدراتنا الذاتية وغرائزنا الطبيعية - أن نُظهر هذه المحبة النقية والصادقة والخالية من الرياء كثمرة ملموسة داخل مجتمعنا؟ يوضح الرسول بولس الممارسة الروحية المحددة لتحقيق ذلك في الآيات التالية: وهي أن "نكره الشر ونلتصق بالخير" (الآية 9). فالمحبة الحقيقية ليست قبولاً عشوائياً أو لامبالاة سلبية؛ بل تعني كراهية ورفض "الشر" الذي يبغضه الله -من أعماق القلب- والالتصاق بقوة -كالمغناطيس- بـ "الخير"، الذي يمثل طبيعة الله وملكه. وعندما تكون لدينا بصيرة روحية حية وفاعلة -تنبذ الشر وتتمسك بالخير- ستتمكن كنيسة "سيونغري" المشيخية أخيراً من تحطيم خداع الشيطان وريائه، والوقوف بثبات كـ "مجتمع المحبة الحقيقية" النقي الذي يشتهيه الرب بعمق.

 

كيف إذن ينبغي لنا أن نحب ونخدم إخوتنا المؤمنين داخل الكنيسة بمحبة الله؟ من خلال الآيات 9-13 من رسالة رومية 12، يعلمنا الرسول بولس خمسة مبادئ توجيهية روحية محددة يجب على كل عضو في كنيسة "سيونغري" المشيخية ممارستها لبناء مجتمع يسوده الحب.

 

(1)         أولاً، يجب علينا أن نُظهر "المودة الأخوية" تجاه بعضنا البعض -تماماً كعائلة تربطها روابط الدم- وذلك في الرب (الآية 10).

 

إن المودة الأخوية المذكورة في الكتاب المقدس تعني قرابة روحية تتجاوز مجرد روابط الدم. ففي ظل الرابطة الروحية التي أُسست بدم الصليب الكريم، يجب علينا أن نحتضن إخوتنا وأخواتنا بقلوب تفيض بالدفء الصادق والشوق العميق والمحب لبعضنا البعض. (2) ثانياً، يجب علينا أن "نُقدِّم بعضنا بعضاً في الكرامة" (الآية 10).

 

المحبة الحقيقية لا تنتظر أن تُعامَل معاملة حسنة؛ بل تبدأ بتواضعٍ يجعل المرء يرى الآخرين أفضل من نفسه. علينا أن نتخلى عن الرغبة الأنانية في أن نكون أول من يحظى بتقدير الآخرين، وأن نبادر بدلاً من ذلك إلى تقدير إخوتنا في الإيمان وإكرامهم دون تردد.

 

(3) ثالثاً، يجب علينا التغلب على الخمول الروحي و"خدمة الرب باجتهاد وحماس" (الآية 11).

 

إن عمل المحبة المطلوب لبناء جماعة الكنيسة لا يمكن أن يُؤدَّى بدافع العادة أو الروتين فحسب. فبقلوبٍ متقدة بنار الروح القدس، يجب علينا خدمة الكنيسةأي جسد المسيح وإخوتنا في الإيمان معاً، بكل اجتهاد وشغف وفرح. (4) رابعاً، يجب علينا "المواظبة على الصلاة" بثبات، والابتهاج في الرجاء حتى وسط الضيق (الآية 12).

 

إن القوة اللازمة للحفاظ على المحبة حين تضرب المحن والشدائد الجماعة تأتي من الصلاة وحدها. يجب ألا تثبط عزيمتنا بسبب الظروف الراهنة، بل علينا أن نبتهج ونحن نتطلع إلى الرجاء الأبدي في السماء؛ وعلينا أن نثبت في الصلاة بلا انقطاع ونحن نعبر نفق المثابرة.

 

(5) خامساً، يجب علينا "ممارسة الضيافة" وتلبية احتياجات القديسين (الآية 13).

 

المحبة ليست مجرد مفهوم نظري، بل تتضمن أفعالاً ملموسة من المشاركة والعطاء. يجب أن نكون مستشعرين لاحتياجات الأعضاء المعوزين في الجماعة وأن نشاركهم ما نملك عن طيب خاطر؛ وعلاوة على ذلك، يجب أن نكرس أنفسنا بكل قلوبنا للترحيب بالغرباء وإكرامهم بالضيافة.

 

في نص اليوموهو النصف الأول من رسالة يوحنا الأولى 4: 7— يعلن الرسول يوحنا الوصية الجوهرية للإيمان لأبنائه الروحيين بصوت يجمع بين المودة العميقة والحزم القوي: "أيها الأحباء، لنحب بعضنا بعضاً..." (النسخة الكورية القياسية الجديدة المنقحة). "أيها الأصدقاء الأعزاء، لنحب بعضنا بعضاً" (النسخة الكورية المعاصرة). لقد اخترت هذا الإعلان الواضح والمؤثر —"لنحب بعضنا بعضاً"— عنواناً لهذا الفصل. كما أنوي التأمل بعمق في النص الممتد من رسالة يوحنا الأولى 4: 7 إلى 21، والذي يُعد جوهرة متألقة في رسائل يوحنا والشريعة العليا لمواطني السماء. من خلال ثلاثة محاور روحية مقدسة وردت في الكتاب المقدس، آمل أن أصغي بعمق إلى صوت الرب الوديع حول السبب الذي يدعونانحن الذين خلصنا بدم الصليب الكريمإلى محبة بعضنا البعض، وحول ماهية هذه المحبة وأثرها الحقيقي. أولاً، يعلن الكتاب المقدس أن الله هو محبة في جوهره.

 

فمن خلال رسالة يوحنا الأولى (الإصحاح 4: الآيتان 8 و16)، يرسخ الرسول يوحنا في قلوبنابكل مهابةالمبدأ الأروع والأكثر جوهرية في الإيمان المسيحي: "مَنْ لاَ يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ، لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ... وَنَحْنُ قَدْ عَرَفْنَا وَصَدَّقْنَا الْمَحَبَّةَ الَّتِي للهِ فِينَا. اَللهُ مَحَبَّةٌ...". هل سبق لك أن رأيت تلك النشرة التبشيرية الصغيرة المعروفة باسم "القوانين الروحية الأربعة"؟ لقد أعدتها منظمة "حملة الحرم الجامعي للمسيح" (Campus Crusade for Christ) بهدف هداية النفوس إلى الرب، وظلت لفترة طويلة واحدة من أكثر الأدوات استخداماً بين المؤمنين حول العالم لمشاركة رسالة الإنجيل. يوضح اسم الكتيب الغرض منه؛ فهو يتضمن "أربعة مبادئ روحية" يجب على المرء استيعابها لنيل الخلاص. أما المبدأ الجوهري الذي يفتح الباب أمام هذا الخلاص المجيد فهو كالتالي:

 

(1) المبدأ الأول: "الله يحبك، ولديه خطة رائعة لحياتك".

 

الآيات الكتابية الأساسية التي تدعم هذا المبدأ الأول هي يوحنا 3: 16 والجزء الأخير من يوحنا 10: 10: "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يوحنا 3: 16)، و"...أَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ" (يوحنا 10: 10). ولأن الله محبة في جوهره، فهو يحبك ويحبنينحن المخلوقين على صورتهمحبة عميقة لدرجة أنه بذل ابنه الوحيد من أجلنا. وهو يمتلك خطة عليا رائعة؛ لا تقتصر على منحنا الحياة فحسب، بل تهدف إلى تمكيننا من التمتع بتلك الحياة بفيضٍ وغنىً فيه.

 

(2) المبدأ الثاني: "الإنسان منفصل عن الله بسبب الخطيئة؛ ولذلك، لا يمكنه معرفة محبة الله وخُطَّتِهِ أو اختبارها".

 

تبدأ مأساة البشرية عند هذا المبدأ الثاني؛ إذ يعلن الكتاب المقدس أن جميع البشر غارقون في مستنقع الخطيئة البائس. تأمل في الآية الواردة في رسالة رومية 3: 23: "إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ". وعلاوة على ذلك، فإن المصير البائس لمن سقطوا في الخطيئة هو الغربة والانفصال الأبدي عن الله، الذي هو عينُ مصدر الحياة. وفي الشطر الأول من الآية 23 في الإصحاح السادس من رسالة رومية، يُعلن الرسول بولس بوضوح وجدّية عن ثمن هذا الانفصال: "لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ". ونظراً لأن البشر صاروا أعداءً لله وموتى روحياً بسبب خطاياهم، فقد وقعوا في حالة من الإفلاس الروحي؛ إذ أصبحوا عاجزين تماماً عن إدراك أو اختبار المحبة العظيمة والبركات الوفيرة التي أعدها الله لهم في حياتهم.

 

(3)         المبدأ الثالث: "يسوع المسيح هو الوسيلة الوحيدة التي أعدها الله لمعالجة خطيئة الإنسان. ومن خلاله، يمكنك أن تعرف محبة الله وتختبرها، وتتعرف على خطته لحياتك".

 

يُعد يسوع المسيح الجسر الوحيد الذي يتيح لنانحن الذين كنا يوماً أعداءً لله بسبب الخطيئة أن نتمتع بمحبته من جديد. ويشهد الكتاب المقدس على هذه النعمة المذهلة المتمثلة في الكفارة.

 

(أ)           أولاً: مات يسوع على الصليب نيابةً عنا. "وَلكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا: لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا" (رومية 5: 8).

 

(ب)         ثانياً: حطّم يسوع سلطان الموت وقام ثانيةً.

 

"فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضاً: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ لِلاثْنَيْ عَشَرَ. وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ دُفْعَةً وَاحِدَةً لأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِئَةِ أَخٍ..." (1 كورنثوس 15: 3-6).

 

(ج) ثالثاً: يسوع المسيح هو الطريق الوحيد للوصول إلى الله الآب.

 

"قَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي" (يوحنا 14: 6). لا يمكن لأي جهد ديني بشري أو فلسفة أن تهدم جدار الخطيئة الذي يفصل بين الله والبشرية. فالمسيح وحدهالذي تجسد وحمل الصليب وقام ثانيةهو طريق الحياة الوحيد الذي يجعل محبة الله الآب العظيمة وخطته حقيقة واقعة في حياتنا.

 

(4) المبدأ الرابع: "يجب على كل منا أن يقبل يسوع المسيح باعتبارهمخلّصي وإلهي. وحينئذٍ، سنعرف محبة الله وخطته لكل منا ونختبرها."

 

لا يتحقق الإنجيل بمجرد الموافقة الفكرية، بل من خلال دعوة تنبع من صميم كياننا وشخصيتنا.

 

(أ) أولاً: يجب أن نقبل يسوع المسيح رباً لنا.

 

"وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ" (يوحنا 1: 12).

 

(ب) ثانياً: نحن نقبل يسوع المسيح بالنعمة، ببساطة عن طريق مد يد "الإيمان".

 

"لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ" (أفسس 2: 8-9). (ج) ثالثاً: يجب أن نفتح أبواب قلوبنا وندعو الرب للدخول إلى حياتنا شخصياً في كل لحظة.

 

"هأَنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي" (رؤيا 3: 20). إن قبول يسوع هو قرار بتسليم عرش حياتنا للرب. فعندما نفتح أبواب عنادنا وإرادتنا الذاتية لنستقبل "رب الحق"، يتحرر الركن الأول من "القوانين الروحية الأربعة" —أي "محبة الله العجيبة وخطته الغنية لأجلي"— من كونه مجرد مفهوم نظري، ليتجلى كواقع مجيد ينبض بالحياة في يومياتنا.

 

والسبب الحقيقي وراء استحضاري لهذه المبادئ الروحية (القوانين الروحية الأربعة) في مستهل شرحي للإصحاح الرابع من رسالة يوحنا الأولى، يكمن تحديداً في ذلك "المبدأ الأول" الذي يبشر ببداية رائعة: "الله يحبك ولديه خطة مذهلة لأجلك". فالعبارة الافتتاحيةالتي تُعلن بقوة وجلاء حين تفتح كتيب "القوانين الروحية الأربعة" باب الإنجيل للبشرية لا تتحدث عن خطيئة الإنسان أو الدينونة، بل هي ذلك الإعلان المهيب: "الله يحبك". إن نقطة الانطلاق الكاملة لتاريخ الخلاص المسيحي وللإنجيل لا تكمن في الجهد البشري، بل في محبة الله الفاعلة؛ فالله هو المحبة في جوهره وطبيعته. وكما تعلن الصفحة الأولى من "القوانين الروحية الأربعة" عن محبة الله بكل وقار وجدية، فإن الحقيقة الأبدية المُعلنة في نص اليوم (يوحنا الأولى 4: 8 و16) —بأن "الله محبة"— تشكل الأساس الأكثر رسوخاً والمنطلق الجوهري للإيمان الذي ينبغي لكل مؤمن أن يرتكز عليه في حياته. ففي نص اليوم (يوحنا الأولى 4: 8 و16)، يوجه الرسول يوحنا أنظارنا نحو أعمق جوهر للإيمان: "مَنْ لاَ يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ، لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ... وَنَحْنُ قَدْ عَرَفْنَا وَصَدَّقْنَا الْمَحَبَّةَ الَّتِي للهِ فِينَا. اَللهُ مَحَبَّةٌ...". لماذا أكد الرسول يوحنا مرتين في هذا النص الموجز أن "الله محبة"؟ إنه يفعل ذلك ليوضح السبب الجوهري والنهائي الذي يوجب علينا أن نحب بعضنا بعضاً طاعةً لوصايا الرب المقدسة (3: 23، 4: 7). فالسبب الذي يدعونا لمحبة بعضنا بعضاً واضح: الله محبة بطبيعته (4: 8، 16)، وهذا الإله المحب أغدق علينا محبة لا تُقاسرغم ما يعترينا من نقائص وجعلنا في نهاية المطاف "أولاد الله" المجيدين (3: 1). لذا، وبصفتنا أبناءً ورثوا طبيعة اللهالذي هو محبة فمن الطبيعي أن نحب بعضنا بعضاً بمحبة متقدة، تماماً كما أحبنا الآب محبةً غير مشروطة (3: 11، 23؛ 4: 7). وفي نهاية المطاف، يكمن السبب الجوهري الذي يدفع المؤمنين إلى الامتثال لوصية الرب ومحبة بعضهم بعضاً في حقيقتين مترابطتين:

 

أولاً: حقيقة أن جوهر الله ذاته هو المحبة؛ و

 

ثانياً: حقيقة أن إله المحبة هذا قد أحبنا "أولاً"، رغم أننا لم نكن مستحقين لذلك (1 يوحنا 4: 19).

 

ومن خلال الآية (1 يوحنا 4: 19)، يعلن الرسول يوحنا عن جوهر هذه المحبة العميقة: "نحن نحب لأنَّه هو أحبَّنا أولاً". وإذا أردنا تلخيص هذا السر العظيم للإنجيل في عبارة واحدة، فهي أن "كيان" الله هو المحبة، وأن "فعل" الله يتجلى في كونه قد أحبنا أولاً. وعلينا الآن تطبيق هذا المبدأ الروحي مباشرةً على حياتنا؛ فبعد أن نلنا الخلاص من خلال ذبيحة الصليب الكفارية، أصبح كياننا هو "أبناء الله الثمينين". وعليه، فإن السلوك اللائق بنانحن مواطني السماء الذين تحولت طبيعتهم الجوهرية هو أن "نحب بعضنا بعضاً" (وتحديداً الإخوة والأخوات الذين بجوارنا) بنفس الكمال الذي أحبنا به الله أولاً؛ ذلك أن تحوّل الكيان لا بد أن يتجلى بوضوح في ثمار السلوك المقدس.

 

وبينما كنت أتأمل بعمق في ذلك الإعلان المهيب "الله محبة" الوارد في (1 يوحنا 4: 8 و16)، انتابني فجأةً فضول روحي مقدس: "كيف يشهد الرسول يوحنابدءاً من الآية الأولى في الرسالة ووصولاً إلى هذا المقطع على طبيعة الإله الذي نؤمن به؟" وللوصول إلى الإجابة، أعدت قراءة الرسالة بتمعن، آيةً تلو الأخرى، من بدايتها وحتى المقطع المذكور. وبينما كنت أفعل ذلك، بدأت تتكشف أمام عيني خريطةٌ رائعةٌ لسمات الله الثالوثي المشرقةأي لكيانه وجوهره. كان أول إعلان حرّك أعماق نفسي هو ما ورد في رسالة يوحنا الأولى (1: 5): "الله نور". ثم تؤكد الآية (1: 9) أنه عندما نعترف بخطايانا، فإن الله الآب "أمين وعادل". ويرتبط هذا الإعلان بكون الله باراً بما ورد في (2: 29) و(3: 7)، مشكلاً بذلك المصدر لحياة البر التي يعيشها المؤمن. وعندما نوجه أنظارنا نحو الابن، يسوع، نراه موصوفاً في (2: 1) بأنه "يسوع المسيح البار" - محامينا الكامل - ومُعلناً في (3: 3) بصفته "الرب الطاهر"، المنزه عن أي دنس أو شائبة. وعلاوة على ذلك، يبرز الروح القدس بقوة في (4: 2) بصفته "روح الحق" الذي يقر (ويُمكّننا من الإقرار) بحقيقة أن يسوع المسيح قد جاء في الجسد. وأخيراً، في نص اليوم - وتحديداً في الآيتين 8 و16 من الإصحاح الرابع - نصل إلى الذروة الرائعة التي تتوج رحلة الإيمان هذه: الإعلان المدوي بأن "الله محبة". ومن خلال تتبع طبيعة الله كما كُشف عنها في رسالة يوحنا الأولى، اكتشفت سر الثالوث: فالله الآب هو نور وأمين وبار ومحبة؛ والله الابن بار وطاهر؛ والله الروح القدس هو الذي يؤكد بقوة ويشهد لتجسد المسيح. وبناءً على هذا الاكتشاف المجيد، أود أن أشارككم رؤيتين روحيتين عميقتين يجب علينا -نحن الذين نعيش في عصر الخداع هذا- أن ننقشهما بعمق في قلوبنا.

 

(1)         أولاً، تشهد "طهارة" يسوع المسيح على "محبة الله الكاملة والتامة"، الخالية تماماً من أي دنس.

 

إن الحقيقة التي يجب علينا فحصها بعمق أولاً هي الإعلان الوارد في رسالة يوحنا الأولى (3: 3) بأن الابن، يسوع، "طاهر". ويوضح الكتاب المقدس طهارة الرب فوراً بقوله: "ليس فيه خطية" (الآية 5). وبعبارة أخرى، تعني طهارة الرب خلوه التام والكامل من الخطية، ونزاهته المطلقة عن أي دنس أو شائبة. وعندما نطبق هذه الصفة المقدسة على طبيعة الله كما كُشف عنها سابقاً، نكتشف انسجاماً روحياً مذهلاً. إن تطبيق مفهوم "طهارة الرب" على ما ورد في رسالة يوحنا الأولى (1: 5) بأن "الله نور" يكشف عن حالة من القداسة المطلقة التي تخلو تماماً من أدنى أثر للظلمة. وبالمثل، فإن تطبيق هذا المفهوم على ما جاء في رسالة يوحنا الأولى (1: 9) بأن "الله أمين وعادل" يشير إلى برٍّ كامل لا يقبل حتى نسبة 0.1% من عدم الأمانة أو الظلم.

 

فما هو إذن ذلك الاعتراف العظيم الذي ينبثق حين نُسقِط "طهارة" الرب هذه على السمة الجوهرية الواردة في رسالة يوحنا الأولى (4: 8 و16) - أي الإعلان بأن "الله محبة"؟ إنه يعني أنه لا توجد في إلهنا الآب ذرة واحدة من بقايا "الكراهية" أو "الحسد" تجاه أبنائه وإخوته. فمحبة الرب ليست محبة أرضية قد تتلوث أو تتغير بتأثير الظروف والأحوال. ولو أردنا تعريف هذا السر المقدس باستخدام المصطلحات الجوهرية الواردة في رسالة يوحنا الأولى (2: 5 و4: 12)، لقلنا إن محبة الله هي "محبة كاملة"؛ أي محبة أزلية، وخالية من العيوب، وتامة. إن محبة الله لنا طاهرة تماماً؛ فهي محبة لا تشوبها أي مخاوف من الرفض، ولا رغبات أنانية، ولا أي ظل لكراهية نابعة من الحسد. ولأنه هو الذي بادر واحتضننا بمحبة كاملة وطاهرة بنسبة 100% - وخالية من أي شوائب - فإننا، بعد أن نلنا فيضاً من تلك المحبة النقية، أصبحنا قادرين بدورنا على نبذ الكراهية داخل الجماعة، وأن نعيش كأبناء يمارسون المحبة الكاملة.

 

(2) ثانياً، تمثل الركائز الأربع الجوهرية في رسالة يوحنا الأولى - وهي النور والحق والمحبة والبر - الطبيعة الكاملة لله المثلث الأقانيم، وجوهر البر الذي دُعينا لتحقيقه على هذه الأرض.

 

عندما تأملتُ الركائز اللاهوتية الأربع العظيمة التي تتخلل رسالة يوحنا الأولى بأكملهاوهي النور والحق والمحبة والبر قادني ذلك إلى طرح سؤال روحي: كيف تترابط هذه الصفات الرائعة عضوياً فيما بينها؟ وفي النهاية، توصلتُ إلى استنتاج مهيب يتعلق بطبيعة (وجوهر) الله المثلث الأقانيم: "إلهنا نور، والله حق، والله محبة، والله بارٌّ برّاً مطلقاً". إن هذا الإعلان ليس مجرد عبارة مجردة، بل هو إعلان عن القداسة الكاملة. ففي الله، الذي هو نور، لا توجد ذرة من الظلمة الروحية؛ وفي الله، الذي هو حق، لا يُقبل ولو بنسبة 0.1% من الزيف؛ وفي الله، الذي هو محبة، لا توجد قطرة واحدة من بقايا الحسد أو الكراهية؛ وفي الله، الذي هو بارّ، يستحيل وجود أي ظلم أو شر.

 

لقد ربطتُ هذا الاستنتاج اللاهوتي العظيم بالوصية الجوهرية الواردة في نص اليومرسالة يوحنا الأولى 4: 7: "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لِنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً"— وطبّقته بشكل عملي على حياتنا اليومية على النحو التالي: "أيها الأحباء، إلهنا هو المحبة الكاملة (1 يوحنا 4: 8، 16). ولذلك، وبصفتنا أبناءً للهالذي هو نور ولا توجد فيه ظلمة (1: 5، 3: 1-2)— ينبغي علينا أن نرفض الزيف تماماً، وأن نُحب بعضنا بعضاً من كل القلب والنفس، متبعين وصية الرب الجديدة الخاصة بالحق (1: 6، 3: 23-24). إن مسيرة الطاعة المقدسة هذه هي الثمر الحقيقي لـ 'البر' —وهو البر الذي يتجلى في حياتنا اليومية من خلال أولئك الذين يعرفون الله حقاً بصفته 'البارّ' (2: 29)". إن محبتنا لبعضنا البعض ليست مجرد مسألة تتعلق بالمشاعر والعواطف؛ بل هي أبهى إعلان للإيمان بالنسبة لمواطني السماء، وهو إعلان يعكس تماماً طبيعة الله المثلث الأقانيمالذي هو نور وحق ومحبة وبر في قلب هذا العالم المظلم.

 

إن المبدأ الأول من "القوانين الروحية الأربع"، التي تنشرها منظمة "حملة الحرم الجامعي للمسيح" (Campus Crusade for Christ)، يحرّك القلب كلما تأمل فيه المرء: "الله يحبك، ولديه خطة رائعة لحياتك". كلما نقشتُ هذا المبدأ العظيمالذي يمثل جوهر الإنجيل ذاته على قلبي، أختبرُ يقينًا روحيًا رائعًا بشأننا. إنها الحقيقة القائلة بأن الله الآب، بمحبته، يعتز بكل واحد منا بعمقحتى أولئك الذين يشعرون بالتهميش أو النبذ وأنه أعدّ بإتقان "خطة خلاص كبرى ورائعة" قبل تأسيس العالم لإنقاذنا من الهلاك الأبدي. والسبب في إمكانية حدوث ذلك فريد من نوعه: فجوهر الله ذاته هو المحبة (1 يوحنا 4: 8، 16). ولأن الله يتصف بطبيعة المحبة الأبدية والجوهرية هذه، فإن أعماله السياديةالنابعة من ذلك الجوهر ذاته تتجلى حتمًا في صورة محبة مشرقة تغمرنا بلا حدود، رغم عدم استحقاقنا. لم نؤمن بيسوع المسيح مخلصًا لنا بفضل إنجازاتنا أو مؤهلاتنا الذاتية، بل بقوة محبة الله الفائقةالتي تأكدت عند الصليب. لقد نلنا التبني، فانتقلنا من كوننا أبناءً للظلمة إلى هوية ووجود جديدين تمامًا: "أبناء الله" المجيدين. لذا، وبصفتنا شعب الله الذي تحول كيانه بالكامل، يجب علينا الآن أن نمضي قدمًا لنعيش ممارسات تليق بمثل هذه الحياة. وكما أحبنا الله الآب أولاً وبذل ابنه الوحيد دون تحفظ، ينبغي علينا نحن أيضًابعد أن نلنا القوة الواهبة للحياة من تلك المحبة الإلهية أن نحتضن إخوتنا في الجماعة كما نحتضن أجسادنا. دعونا لا نسلك بعدُ في طريق قايينكارهين إخوتنا لأن عيوننا قد أُعميت بمشاعر الأنانية ورغبات العالم الفاسدة. بل لنعش كأبناء حقيقيين يشبهون أبا المحبة؛ ولنغسل أقدام بعضنا البعض في حياتنا اليومية، ولنعلن بشجاعة ونمارس هذه الحقيقة: "أيها الأحباء، إن كان الله قد أحبنا هكذا، فينبغي علينا نحن أيضًا أن يحب بعضنا بعضًا. فلنحب بعضنا بعضًا بمحبة متقدة!"

 

ثانيًا، يعلن الكتاب المقدس أن الله لم يحصر محبته العظيمة في مجرد مفاهيم نظرية مجردة؛ بل أظهر "محبة ملموسة" في حياتنا حين بذل ابنه الوحيد دون تحفظ.

 

لننظر إلى نص اليوم: 1 يوحنا 4: 9-10. يعلن الرسول يوحنا عن أروع دليل وحقيقة لمحبة الله التي أكدها لنا: "بهذا أُظهرت محبة الله فينا: أن الله قد أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي نحيا به. في هذه هي المحبة: ليس أننا نحن أحببنا الله، بل أنه هو أحبنا، وأرسل ابنه كفارة لخطايانا". إنه لأمر جميل حقاً أن نرى أشخاصاً يفيضون بالمحبة تجاه جيرانهم بقلوب صادقة ويترجمون هذه المحبة إلى واقع ملموس، دون انتظار أي مقابل أو مكافأة. تتألق حياتهم بوضوح لأنهم يمارسون المحبة لا من خلال مظاهر عابرة أو تصرفات زائفة أو تظاهر خارجي، بل بصدق ينبع من أعماق كيانهم. إن القدرة على محبة شخص ما بقلب صادق تُعد واحدة من أعظم بركات الحياة. وعلاوة على ذلك، فإن تجسيد المحبة غير المشروطةأي المحبة التي لا تبتغي مقابلاً واختبار الفرح السماوي الخفي في ثنايا هذا الفعل، يمثلان أسمى امتياز روحي للمؤمن. ومع ذلك، وللأسف، يعيش الكثير من المسيحيين اليوم دون التمتع الكامل بهذه البركة والفرح السماويين الوفيرين. هل تعرف ما هي العقبة الرئيسية؟ إنها "التوقعات تجاه الآخرين" الراسخة في أعماق قلوبنا. فعندما نحب جيراننا ونخدم مجتمعنا، وفي اللحظة التي نتوقع فيها -ولو دون وعي- المديح أو التقدير أو شكلاً من أشكال المكافأة المتبادلة، فإن قناة البركات الروحية التي يريد الله أن يمنحنا إياها تُسد وتُعاق. ويحدث هذا لأنه عندما لا تتحقق الاستجابة المتوقعة، تبدأ نصال خيبة الأمل والاستياء والحسد والكراهية في النمو. لذا، يجب علينا أن نحب من كل قلوبنا، دون السعي وراء أي مكافأة أو وضع أي شروط. وفقط عندما نعامل إخوتنا المؤمنين بمحبة متجردة من الذات وغير مشروطة، تمتلئ أرواحنا بالفرح الروحي النابع من الله الآب؛ وهو فرح لا يستطيع العالم أن يمنحه ولا أن يدرك كنهه. حقاً، إن الشخص الذي لا يطلب مكافأة، بل يترك محبة الصليب تتدفق من خلاله بينما يتذوق السلام السماوي، هو مواطن سماوي بحق؛ جميل ونبيل في نظر الله. هنا، لا بد لنا أن نستحضر معنى "الكفارة" (أو الاسترضاء)؛ وهو مصطلح لاهوتي يحمل طابعاً مهيباً وعظيماً، ويتردد صداه في إنجيل يوحنا ورسائل يوحنا. وكما تأملنا سابقاً في الآية (1 يوحنا 2: 2)، فإن المعنى الكتابي الجوهري لـ "الكفارة" هو "الإيفاء" أو "الإرضاء"؛ أي تحقيق عدل الله بشكل كامل. لقد كان لزاماً على الله القدوس البار أن يُنزل عقاباً رهيباً على "خطيئة" البشرية المتمردة؛ إذ إن مجرد التغاضي عن الخطيئة كان سيُعدّ انتهاكاً لعدله. ولتلبية متطلبات ذلك العدل الصارم، صار يسوع المسيحابن الله هو نفسه "خروف الفصح"، فسكب دمه ومات كذبيحة قُدّمت مرة واحدة وإلى الأبد على الصليب. ومن خلال تحمّله عقوبة خطاياي بدلاً مني وتعليقه على خشبة اللعنة، أوفى الرب تماماً بمطلب الله القدوس البار القاضي بضرورة إدانة الخطيئة.

 

لماذا بذل الله ابنه الوحيد الثمين كذبيحة كفارية على ذلك الصليب المروعوكالمخلّص الوحيد لهذا العالم الهالك؟ وما هو الغرض الأسمى الذي دفع الرب ليتقدم طوعاً نحو موضع الألم ذاك؟ لقد كان ذلك الغرض المجيد واحداً لا غير: التكفير الكامل عن خطايانا الشنيعة، وإنقاذنا من ظلال الخطيئة والموت، وفي النهاية قيادة نفوسنا إلى الحياة الأبدية (1 يوحنا 4: 9-10). وتشهد الآية (1 يوحنا 3: 5) بوضوح على الغرض من تجسد الرب في عبارة واحدة: "وَتَعْلَمُونَ أَنَّ ذَاكَ أُظْهِرَ لِكَيْ يَرْفَعَ خَطَايَانَا، وَلَيْسَ فِيهِ خَطِيَّةٌ". لم تكن محبة الله لنا مجرد مفهوم يقتصر على الكلمات الرنانة أو النظريات؛ بل كانت فعلاًثابتاً بما لا يدع مجالاً للشك قدّم فيه الله، دون أي تقتير، حياة ابنه الوحيد الأسمى كذبيحة على الصليب؛ وذلك لخلاص "أبناء الغضب" الذين استحقوا الموت الأبدي بسبب خطاياهم. إن سر الكفارة العميق هذا هو جوهر المحبة النقية والكاملة التي أظهرها إله المحبة لي ولك. أيها الأحباء، ما هي حالتنا الأصلية؟ يعلن الكتاب المقدس أننا كنا في حالة بائسة، إذ كنا "أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا" (أفسس 2: 1). إن قراءة الآية الأولى من الأصحاح الثاني في رسالة أفسس وفق "الترجمة الكورية المعاصرة" تجعل هذا التشخيص يقع في نفوسنا بقوة أكبر: "لقد كنتم أمواتاً روحياً بسبب العصيان والخطية". دخلت الخطية إلى العالم من خلال عصيان "إنسان واحد" - وهو آدم، جد البشرية - وفي أعقاب ذلك، هيمنت قوة الموت المخيفة على مجرى التاريخ. وبسبب تلوثنا بهذه الخطية الأصلية، أخطأ جميع الناس، ونتيجة لذلك، حلّ الموت الروحي بالبشرية جمعاء بلا استثناء (رومية 5: 12). لقد كنا منفصلين تماماً عن الله - مصدر الحياة - ولم نكن نختلف روحياً عن الجثث الهامدة؛ كنا كائنات بلا رجاء ومحكومة بمواجهة "الموت الثاني" المتمثل في الجحيم الأبدي. ومن أجلنا نحن الذين كنا بلا أي أمل، أرسل الله ابنه الوحيد إلى هذه الأرض ليقدم نفسه ذبيحة كفارية. وهل كان لدينا أي استحقاق على الإطلاق حين هبط ذلك الحب العظيم من السماء؟ في الأصحاح الخامس من رسالة رومية، يكشف الرسول بولس عن واقع حالنا العاجز من خلال ثلاثة جوانب:

 

أولاً: كنا في حالة انعدمت فيها تماماً قدرتنا على تطهير أنفسنا من الخطية - "إذ كنا لا نزال عاجزين" (رومية 5: 6، *الترجمة الكورية المعاصرة*).

 

ثانياً: كنا نسير في طريق التمرد على شريعة الله - "إذ كنا لا نزال خطاة" (الآية 8، *الترجمة الكورية المعاصرة*).

 

ثالثاً: كنا نقف في موقف المعادي لسلطان الله ونواجه غضبه ودينونته - "حين كنا أعداء لله" (الآية 10، *الترجمة الكورية المعاصرة*).

 

لخلاصنانحن الذين كنا فاسدين تماماً وعاجزين ومستعبدين للخطية ومنفصلين عن الله كأعداء لهسفك ابن الله الوحيد، يسوع المسيح، دمه الكفاري بنفسه ومات على الصليب (الآية 6). فبتعليقه على خشبة اللعنة بدلاً منا وصيرورته ذبيحة كفارية، مكّننا الرب من أن نصبح أبناءً للنعمة نتمتع بمصالحة وسلام تامين مع الله (الآية 10). وحتى ونحن في أشد حالاتنا بؤساًغير مستحقين لأي امتيازات أو مكافآتبذل الرب كل شيء من أجلنا دون تحفظ. ومن خلال رسالة رومية 5: 8، يعلن الرسول بولس لقلوبنا ذروة عمل الكفارة المؤثر هذا: "ولكن الله يُبيّن محبته لنا: أنه ونحن بعد خطاة، مات المسيح لأجلنا". إن عمل الصليبالذي ضُحّي فيه بحياة الابن الوحيد من أجل المعدمين والمعادين للهليس مجرد ادعاء فارغ، بل هو البرهان الأكيد والكامل على المحبة التي أعلنها إله المحبة لك ولي.

 

أيها الأحباء، يجب علينا أن نزداد يوماً بعد يوم معرفةً بعمق واتساع محبة اللهالتي أُعلنت لنا بوضوح من خلال الصليبوبأبعادها التي لا تُقاس من حيث العلو والعمق. وكما أقرّ الرسول بولس في رسالته إلى أهل أفسس، إنها محبة فائقة للطبيعة تفوق كل معرفة بشرية (أفسس 3: 18-19). علينا أن ندرك ونفهم بعمق محبة الله الغامرة والفادية؛ فاللهلخلاصنا من حالتنا البائسة المتمثلة في الموت الروحي والمصير المحتوم في بحيرة النار الأبدية (1 يوحنا 4: 9)، وللتكفير الكامل عن كل خطايانا (الآية 10)—قدّم بنفسه ابنه الوحيد الأغلى، يسوع المسيح، إلى هذه الأرض كـ "ذبيحة كفارية" مقدسة (الآية 10) و"مخلّص للعالم" فريد ووحيد (الآية 14). يعلّمنا النصف الأول من الآية 16 في الإصحاح الثالث من رسالة يوحنا الأولىوهو نص تأملنا فيه بعمق من قبل التعريف الحقيقي للمحبة من خلال ترجمة "الكتاب المقدس للناس المعاصرين" (Hyundai-in-ui Seong-gyeong): "لقد عرفنا ماهية المحبة من خلال حقيقة أن يسوع بذل حياته من أجلنا". إن الحدث الذي فيه بذل ابن الله الوحيد، يسوع المسيح، "حياته طواعيةً" على الصليب الخشن والمروع من أجل خطاة لا يستحقون ذلك إطلاقاً، يمثل علامة فارقة كونية تكشف عن الطبيعة الحقيقية للمحبة. هل تدرك مدى اتساع وارتفاع وعمق هذه المحبة؟ تشهد الآيتان 1 و2 من الإصحاح الأول لرسالة يوحنا الأولى على هوية يسوع المسيحالذي حمل الصليب مستخدمةً لغة سماوية مهيبة: "الذي كان من البدء، الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينامن جهة كلمة الحياة؛ فإن الحياة أُظهِرت، وقد رأيناها ونشهد لها، ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأُظهِرت لنا". يعلن الكتاب المقدس أن يسوع المسيح، الذي سفك دمه من أجلنا، هو بطبيعته "كلمة الحياة" التي كانت موجودة منذ البدء، وهو "الحياة الأبدية" الكاملة بحد ذاتها؛ ذاك الذي كان مقيماً مع الله الآب منذ الأزل. وهنا تكمن رابطة روحية مذهلة وغامضة حقاً. يعلن نص اليوم، الوارد في يوحنا الأولى 4: 9، قائلاً: "بهذا أُظهِرت محبة الله فينا"، بينما تشهد آية سابقة، وهي يوحنا الأولى 1: 2، مستخدمةً الفعل ذاته: "الحياة الأبدية التي كانت عند الآب منذ البدء قد أُظهِرت لنا". إن الغاية التي تشير إليها كلتا الآيتين في الإنجيل واضحة؛ فالمحبة الكاملة التي لا تشوبها شائبة، والتي أكدها الله لنا، ليست مجرد نظرية مجردة أو عاطفة عابرة، بل هي حقيقة ملموسة ومؤثرة للغاية: يسوعالابن الوحيد وكلمة الحياة الأبدية التي كانت موجودة منذ البدء اتخذ شخصياً جسداً بشرياً خاطئاً، وتجسد في التاريخ، وضحى بحياته كذبيحة كفارية على الصليب ومُخلِّص للعالم. إن دخول "الحياة الأبدية" طواعيةً إلى عالم الموت ليمنحنا الحياة، هو جوهر محبة الله النقية والكاملة.

 

في نص اليوم (رسالة يوحنا الأولى 4: 16)، يعلن الرسول يوحنا -وفقاً لترجمة "الكتاب المقدس للكوريين المعاصرين" (Hyundaeinui Seonggyeong)- عن ذلك المسكن الروحي الأكثر أماناً ومجداً، والذي يتمتع به المؤمنون الذين قبلوا إنجيل الصليب: "نحن نعلم ونؤمن بالمحبة التي يكنّها الله لنا. الله محبة. ومن يثبت في هذه المحبة يثبت في الله، والله يثبت فيه". نحن أولئك الذين نعترف ونقر من أعماق قلوبنا بأن يسوع الناصري هو ابن الله الحي (الآية 15). وبعبارة أخرى، نحن أناس مؤمنون نثق ونؤمن تماماً باسم يسوع المسيح، ابن الله (3: 23). وبهذه الطريقة، يعلن الكتاب المقدس أننا -نحن الذين اعترفنا بالمسيح مخلصاً- لم نعد نعيش في دائرة الخوف والدينونة، بل أصبحنا نعيش حصراً في ظل محبته الأبدية.

 

لقد أصبحنا الآن ممن يسكنون في محبة الله الواسعة والنقية. ونتيجة لذلك، نحن نتمتع ببركة سرٍّ عجيب -وهو "السكني المتبادل المقدس"- حيث يسكن الله الخالق نفسه فينا، ونحن -بضعفنا البشري- نثبت بأمان في ذلك الإله القدير (4: 15). فكيف إذن يمكننا أن نتيقن من هذا الاتحاد الروحي الباهر؟ هل يعتمد الأمر على مشاعري أو حالاتي المزاجية الذاتية؟ كلا؛ إذ تحدد الآية 13 من الإصحاح الرابع لرسالة يوحنا الأولى بوضوح مصدر يقيننا: "نحن نعلم أننا نثبت في الله وأن الله يثبت فينا، لأنه منحنا الروح القدس" (ترجمة الكتاب المقدس للكوريين المعاصرين).

 

وفي الختام، ومحبةً منه لنا، أرسل الله ابنه الوحيد، يسوع، إلى هذا العالم ليكفّر عن جميع خطايانا؛ فقد قدّمه ذبيحةً كفاريةً على الصليب القاسي، ومخلّصاً وحيداً للعالم أجمع. وبقوة نعمة تلك الذبيحة الكفارية، نلنا الخلاص بالإيمان بيسوع المسيح؛ وخرجنا من ظلال الخطيئة والموت لننال هبة الحياة الجديدة الأبدية: الحياة السماوية الخالدة. بينما نتأمل في نعمة الكفارة العظيمة ومحبة الله المثلث الأقانيم التي لا حد لها، ينطلق من شفتي المؤمن حتماً اعترافٌ بالتسبيح المقدس. وبهذا الشعور العميق، دعونا نرفع كلمات المقطع الأول من ترنيمة "من أجلي احتمل ألم الصليب الثقيل" (الترنيمة رقم 403 في كتاب الترانيم الموحد ورقم 303 في الكتاب الجديد) إلى الرب كاعترافٍ صادرٍ من أعماق نفوسنا، ولنُسبِّحه بقلبٍ خاشع: "من أجلي تحمّل عذاب الصليب الثقيل؛ يا لها من نعمةٍ ومحبةٍ من الرب يسوع الذي مات بدلاً مني! كيف لا نُسبِّحه ونحن الذين افتُدينا بدمه الكريم من خطايا كان مآلها الموت الأبدي؟"

 

ثالثاً، يُعلن الكتاب المقدس أنه نظراً لأن الله أحبنا بهذه الطريقة، فمن اللائق بنا نحن أيضاً أن نحب بعضنا بعضاً.

 

لننظر إلى نص اليوم: رسالة يوحنا الأولى، الإصحاح الرابع، الآيتان 11 و19. استناداً إلى المحبة الغامرة التي أفاضها الله علينا، يُعلن الرسول يوحنا عن الثمرة الملموسة للحياة التي ينبغي أن يعيشها المؤمنون: "أيها الأحباّء، إن كان الله قد أحبنا هكذا، فينبغي لنا نحن أيضاً أن يحب بعضنا بعضاً... نحن نحب لأنه هو أحبنا أولاً". وفي أحد مؤلفات العالم الشهير في العهد القديم، إيان م. دوغيدوهو كتاب قرأته بتقديرٍ ومحبةٍ شخصية كبيرة صادفتُ ذات مرة رؤيةً روحيةً ثاقبةً لامست جوهر الإيمان. وبينما كنت أتأمل كلماته من منظورٍ يتمحور حول الإنجيل، دوّنتُ هذه العبارة في مذكراتي الرعوية: "إن الشك في محبة الله لنا هو أصل كل المشاكل الروحية". فالنفس التي لم تختبر شخصياً محبة الله الكاملةالمُثبَتة من خلال ذبيحة يسوع المسيح الكفارية على الصليب تستسلم حتماً وعجزاً لمغريات العالم المتنوعة وخداع الخطيئة.

 

في سفر ملاخي (الإصحاح الأول، الآية 2) —وهو السفر الأخير في العهد القديم يتحدث الله، إله العدل، عبر النبي ملاخي إلى شعب إسرائيل، مُعلناً بلهجةٍ ملؤها التأكيد: "أحببتكم". ومع ذلك، فإن الشعبالغارق في التراخي الروحي والتشكيك يرد قائلاً: "بماذا أحببتنا؟" على الرغم من أن الله ظل يغمرهم بلا انقطاع بمحبته العهدية الثابتة (*حيسد* - *Hesed*)، إلا أن بني إسرائيل -الذين أصابهم العمى الروحي- عجزوا تماماً عن إدراك تلك المحبة المقدسة. وأعتقد أن هذا الأمر يكمن في صميم كل الصراعات الروحية والانحدار الأخلاقي الذي نواجهه في حياتنا؛ فعندما نعجز عن استيعاب محبة الله غير المشروطة في أعماق قلوبنا ونبدأ في الشك فيها، نسعى لملء فراغنا الداخلي عبر السعي وراء رغبات الجسد الفاسدة، فنجد أنفسنا في نهاية المطاف منقادين في طريق قايين، مفعمين بالكراهية والحسد تجاه الآخرين.

 

ذات مرة، وبينما كنت أتأمل بعمق في نهر المحبة العهدية الذي يتدفق عبر سفري إشعياء والمزامير، دوّنت الملاحظة التالية في مذكراتي الرعوية حول محبة الله اللامتناهية لنا: "يخبرنا الكتاب المقدس أن الله، خالق الكون بأسره، يحبك محبة عميقة -مهما كنت مثقلاً بالتعب أو منكسراً اليوم. فكيف تتجلى إذن محبة الله المجيدة هذه وسط حياتنا المنكسرة؟" إننا نكتشف في كلمته ثلاث سمات محددة لمحبة الله؛ وهي حقائق تلامس شغاف القلب كلما تأملنا فيها: (1) أولاً، ينظر الله إليك وإليّ باعتبارنا "أثمن وأكرم" من العالم بأسره.

 

ففي الجزء الأول من الآية الرابعة في الإصحاح الثالث والأربعين من سفر إشعياء، يعلن الرب عن محبته الأبدية لنا قائلاً: "إِذْ صِرْتَ عَزِيزاً فِي عَيْنَيَّ مُكَرَّماً، وَأَنَا قَدْ أَحْبَبْتُكَ...". كيف يمكن لي ولك -ونحن نرزح تحت وطأة النقص والفساد- أن نُرفع إلى هذه المكانة الرفيعة من القيمة والكرامة في عيني الله القدوس؟ بالتأكيد، ليس ذلك استناداً إلى استحقاقاتنا أو جاذبيتنا الشخصية، بل يعود الأمر برمته إلى كوننا قد أصبحنا أبناءً مجيدين لله، تطهرنا بدم يسوع المسيح الثمين -ابن الله الذي بلا عيب ولا دنس. وبصفتنا من اشتراهم الرب بحياته الخاصة، فإننا نُعد أثمن الجواهر في نظر الله.

 

(2)         ثانياً، لن ينساك الله أبداً، مهما بدا الوضع ميؤوساً منه.

 

تأمل في ذلك الوعد المؤثر والقوي الوارد في سفر إشعياء 49: 15: "هَلْ تَنْسَى الْمَرْأَةُ رَضِيعَهَا فَلاَ تَرْحَمَ ابْنَ بَطْنِهَا؟ حَتَّى هَؤُلاَءِ يَنْسَيْنَ، وَأَنَا لاَ أَنْسَاكِ!" فحتى محبة الأم -التي غالباً ما توصف بأنها أسمى حب على وجه الأرض- قد تضعف أو تشوبها شائبة أحياناً، مما يؤدي إلى مأساة نسيان الأم لرضيعها؛ أما الله الآب، خالقنا، فقد نقش اسمك واسمي على كفي يديه. إنه يذكرنا إلى الأبد ولن ينسانا أبداً.

 

(3)         ثالثاً، الله هو "ملجأنا وقوتنا وعوننا الحاضر" الكامل ونحن نمر بأوقات الشدة.

 

يعلن المزمور 46: 1 بمهابة عن الصخرة الأكثر أماناً التي يمكن للمؤمن أن يقف عليها: "اللهُ لَنَا مَلْجَأٌ وَقُوَّةٌ. عَوْنٌ فِي الضِّيقَاتِ وُجِدَ شَدِيداً". عندما تعصف بنا عواصف الحياة الهائجة وزوابعها، دعونا لا نكافح عبثاً للثبات في أماكننا؛ بل دعونا نلجأ فوراً إلى أحضان الله، ملجئنا وحصننا الوحيد. سيغمرنا الرب بجناحيه ويحمينا حماية تامة من كل تهديد في هذا العالم. ولهذا السبب، لا داعي لأن نقع في الركود الروحي مثل بني إسرائيل في زمن ملاخي، ونسأل بحماقة: "بِمَاذَا أَحْبَبْتَنَا؟" فالرب لا يزال يقدّرنا عالياً، ولا ينسانا أبداً، ويثبت محبته لنا يومياً بكونه ملجأنا الأكثر أماناً في أوقات الشدة.

 

دعونا نركز أنظار إيماننا مرة أخرى على نص اليوم: رسالة يوحنا الأولى 4: 11 و19. يعلن الرسول يوحنا بمهابة عن المحبة الفادية التي أفاضها الله علينا، باعتبارها القاعدة المثلى للممارسة العملية: "أَيُّهَا ​​الأَحِبَّاءُ، إِنْ كَانَ اللهُ قَدْ أَحَبَّنَا هَكَذَا، يَنْبَغِي لَنَا أَيْضاً أَنْ يُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً... نَحْنُ نُحِبُّهُ لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلاً". في هذه الوصية العظيمة التي أعلنها الرسول يوحنا، كيف يشهد النص بأن الله قد أحبنا؟ علينا أن نتأمل بعمق في الإعلان المقدس الوارد في رسالة يوحنا الأولى 4: 9 و10، وهو ما سبق لنا دراسته باستفاضة. لإنقاذنا من وحل الخطيئة والتكفير عن كل آثامنا، لم يبخل الله بإرسال ابنه الوحيد الأغلى، يسوع المسيح، إلى هذه الأرض ليُقدم ذبيحةً كفاريةً على الصليب القاسي. وكما ناقشنا سابقاً، فإن الجوهر الكتابي لهذا "التكفير" هو "الإيفاء" أو "الإرضاء"؛ أي الاستيفاء الكامل لحكم الله العادل. فبكونه حمل الفصح بلا عيب وسفكه دمه ذبيحةً قُدِّمت مرةً واحدةً وإلى الأبد على الصليب، أوفى يسوع تماماً بمطلب الله القضائي المقدس والحازم بوجوب معاقبة الخطيئة. ولهذا السبب بالتحديد، يعلن الرسول يوحنا بحرارة في الآية 11 من نص اليوم: "إِنْ كَانَ اللهُ قَدْ أَحَبَّنَا هكَذَا، يَنْبَغِي لَنَا أَيْضاً أَنْ يُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً". وتكمن في كلمة "هكذا" (أو "إلى هذا الحد") الثقلُ الذي لا يُوصف للصليب؛ حيث ضحّى الله الخالق بحياة ابنه الوحيد لإنقاذنا نحن مخلوقاته الذين صرنا أعداءً له. فبينما كنا لا نزال عاجزين وخطاةً ومنفصلين عن الله كأعداء له، أحبنا هو "أولاً"، دون انتظار أي شروط أو مقابل (1 يوحنا 4: 19). ولذلك، وبصفتنا أبناءً لله انتقلنا من الموت إلى الحياة بقبولنا هذا الحب السماوي الذي لا يُقاس، يجب علينا أن نعيش حالةً نحب فيها بصدقٍ إخوتنا المؤمنين من حولنا، حتى عندما يتعارض ذلك مع قدراتنا الذاتية ومشاعرنا الأنانية. إن هذا ليس مجرد خيار، بل هو الثمر الأسمى والأكثر مجداً لحياة الإنسان المُفتدى.

 

لو لم يحبنا الله أولاً، لكنا كائناتٍ قاسية القلب وعاجزةً تماماً عن طاعة - ولو بنسبة 0.1% فقط - الجزء الأول من الوصية العظمى التي أعلنها يسوع: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ" (متى 22: 37). أيها الأحباء، كيف كان يمكننا - ونحن موتى وباردون روحياً بسبب العصيان وفساد الخطيئة - أن نجرؤ على محبة الله القدوس أولاً؟ (أفسس 2: 1) وكيف كان يمكننا - نحن الذين تمردنا على حكم الله ووقفنا كأعداء له أمام كرسي قضائه - أن نمد يد المحبة نحوه أولاً؟ (رومية 5: 10) كنا خطاةً بؤساء عاجزين تماماً عن البدء بمحبة الله، بل لم تكن لدينا حتى الرغبة في ذلك. فالله المثلث الأقانيم هو وحده الذي أضرم جذوة المحبة المقدسة في نفوسنا القاحلة. ومن خلال نص اليوم — 1 يوحنا 4: 19 — يعلن الرسول يوحنا، من منظور إنجيلي، عن المبادرة التي تقف وراء هذه المحبة المؤثرة للغاية: "نَحْنُ نُحِبُّهُ لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلاً" (ترجمة NKJV). "نحن نحب لأن الله أحبنا أولاً" (الترجمة الكورية المعاصرة). إن القوة الدافعة الوحيدة التي تمكّننا من عبادة الله ومحبة إخوتنا المؤمنين بصدق، تكمن في حقيقة أن الله قد أحبنابلا شروط و"أولاً" — رغم أننا لم نكن مستحقين لذلك. وبصفتنا أبناءً لله نتمتع بهذه المحبة غير المستحقةالتي نلناها، إن جاز التعبير، عبر تدفقها إلينا من صليب الربيتحتم علينا الآن أن نُثمر محبةً لبعضنا البعض في حياتنا اليومية. إذن، ماذا يقول الكتاب المقدس عن الكيفية التي ينبغي لنا نحن المفديين أن "نحب بعضنا البعض" بها تحديداً، طاعةً لوصية الرب؟ من خلال الإعلان المجيد الوارد في نص اليوم (1 يوحنا 4: 7-21)، أود أن أستعرض خمسة دروس وتوجيهات روحية جوهرية يجب أن نتمسك بها ونحن نبني مجتمعاً قائماً على المحبة.

 

(1)         أولاً، المحبة تنبع من الله، ونحن "أغابيتوي" (agapetoi) — أي "المحبوبون" — الذين صاغتهم محبته.

 

في الشطر الأول من الآية 1 يوحنا 4: 7، يحث الرسول يوحنا الجماعة بقلب يفيض مودةً عميقة: "أَيُّهَا ​​الأَحِبَّاءُ، لِنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ هِيَ مِنَ اللهِ..." (ترجمة NKJV). "أيها الأصدقاء الأحباء، لنحب بعضنا البعض. فالمحبة تأتي من الله" (الترجمة الكورية المعاصرة). إن مصطلح "أحباء" — أو *agapetoi* باليونانيةالذي يستخدمه الرسول يوحنا لمخاطبة المسيحيين هنا، مشتق من المفهوم المعروف لمحبة الله غير المشروطة (*agape*). ويشير معناه الأصلي إلى "أولئك الذين نالوا محبة الله الغامضة والمطلقة"؛ أو بعبارة أخرى، "المحبوبين من الله". إن الأمر الإلهي بمحبة بعضنا البعض يتجذر تحديداً في هذا التحول في الهوية. عندما يأمر الرسول يوحنا قائلاً: "لِيُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا"، فإن النبرة لا تشير إلى قرار عاطفي يُتخذ لمرة واحدة؛ بل هي وصية مقدسة ومستمرة بصيغة المضارع، تحثنا على محبة بعضنا البعض بشكل دائم وثابت وكعادة راسخة. وبصفتنا مواطنين في السماء، نلنا محبة الله العظيمة في الماضي ونواصل نيلها مع كل نَفَسٍ نأخذه، فمن الطبيعي والصواب أن نستمر في محبة إخوتنا المؤمنين، مقتدين بتلك الرحمة المؤثرة التي يحبنا بها الرب بلا انقطاع. ويمضي يوحنا ليعلن: "لأَنَّ الْمَحَبَّةَ هِيَ مِنَ اللهِ". وتنسجم هذه العبارة تماماً مع الحقيقة الجوهرية العميقة التي أقر بها بوقار في الآيتين 8 و16: "اللهُ مَحَبَّةٌ". ولأن الله ذاته هو المحبة، فإن كل محبة حقيقية موجودة على الأرض لا يمكن أن تنبع إلا منه. لذا، فإن سر محبة بعضنا البعض لا يكمن في نوايانا الحسنة أو قراراتنا الأخلاقية الذاتية، بل يكمن في حقيقة أن اللهوهو مصدر المحبة ذاته قد بادر بالسعي نحونا نحن غير المستحقين ليُظهر محبته عبر الصليب، ثم أرسل شخصياً الروح القدس ليسكن فينا بمجرد أن أدركنا تلك المحبة. ويسكن الروح القدس في أعماق قلوبنا حتى الآن، ممكّناً إيانا من إثمار "ثمر الروح" —أي المحبة المقدسة كما تشهد رسالة غلاطية. وفقط عندما نتحد بالله، مصدر المحبة، ونتنفس نسماته، يمكننا حقاً تجاوز أنانيتنا لنحتضن إخوتنا المؤمنين بأعمال محبة صادقة.

 

وإذا نظرنا إلى النقيض التام لهذه الحقيقة العظيمة، فإننا نواجه تحذيراً روحياً صارماً يخترق قلوبنا: فإذا كانت المحبة تنتمي جوهرياً إلى الله، فإن "الكراهية" تجاه إخوتنا المؤمنين تنتمي كلياً إلى إبليس. وطوال رسالة يوحنا الأولى، يبرز الرسول يوحنا بوضوح هذا الصراع القائم بين النور والظلمة، وبين المحبة والكراهية.

 

أولاً، في رسالة يوحنا الأولى (1: 5)، يُعلن يوحنا عن قداسة الله الكاملة، قائلاً: "الله نور، وليس فيه ظلمة البتة". ومع ذلك، ففي الآية (2: 9)، يكشف فوراً زيف المؤمنين المرائين: "من قال إنه في النور وهو يبغض أخاه أو أخته، فهو لا يزال في الظلمة". وعلاوة على ذلك، تُبيّن الآية (11) الكارثة الروحية المترتبة على هذه الكراهية: "أما من يبغض أخاه أو أخته فهو في الظلمة، ويسلك في الظلمة، ولا يعلم أين يذهب، لأن الظلمة قد أعمت عينيه". إن الحقيقة الروحية التي تشير إليها هذه الكلمات واضحة: فإلهنا نورٌ قدوس، بينما الشيطان هو ظلمةٌ بغيضة. ولذلك، فإن الذين يحبون إخوتهم وأخواتهم بصدق يسكنون في نور الرب الساطع (الآية 10)، في حين يظل أولئك الذين يضمرون الكراهية والحسد في داخلهم - بغض النظر عما يعلنون بألسنتهم - محاصرين في ظلمة الشيطان. وفي النهاية، تكمن الحقيقة الروحية في أنه تماماً كما أن الله هو أصل المحبة، فإن الشيطان هو مصدر الكراهية.

 

وفضلاً عن ذلك، فإن تلك العشبة السامة - الكراهية - التي تنتمي إلى الشيطان، تنبع كلياً من هذا "العالم" الفاسد. تأمل في الإعلان الوارد في رسالة يوحنا الأولى (2: 16): "لأن كل ما في العالم - شهوة الجسد، وشهوة العيون، وتعظم المعيشة - ليس من الآب، بل من العالم". إن القيم الجسدية والشهوانية والأنانية التي يفرزها العالم تثير باستمرار الكراهية والانقسام في قلوبنا؛ فهذه الأمور ليست بأي حال من الأحوال حكمة سماوية صادرة عن إلهنا وأبينا القدوس. ومع ذلك، لم نعد نحن - أنت وأنا - أبناء الظلمة؛ بل نحن أبناء مجيدون افتُدينا بدم يسوع المسيح، ويسكن فينا بفيضٍ محبةُ الله الآب الكاملة لنا. ولذلك، نحن لا نحب العالم الذي هو في طريقه إلى الزوال (الآية 15)، بل نثبت في كل جانب من جوانب الحياة بصفتنا ممن "يصنعون مشيئة الله" (الآية 17). إن مشيئة الله القدوس - الذي هو محبة في جوهره - ليست معقدة. الأمر ببساطة هو طاعة الوصية الجديدة -التي خُطّت بدم الرب- من كل القلب: أن "نحب بعضنا بعضاً" بحرارة -أي الإخوة والأخوات الذين بجوارنا- بالأعمال وبالحق (3: 23).

 

(2) ثانياً، إن من يحب أخاه هو مولود من الله، وممارسة هذه المحبة هي الدليل ذاته على الولادة الجديدة الحقيقية.

 

عند النظر إلى النصف الثاني من الآية (1 يوحنا 4: 7) -وهي نص اليوم- نجد الرسول يوحنا يعلن عن تلك الهوية العجيبة المشتركة بين المحبة والولادة الجديدة: "...كل من يحب فهو مولود من الله ويعرف الله". إن إعلان "مولود من الله" الذي ذكره الرسول يوحنا هنا هو تصريح لاهوتي جليل: فأولئك الذين يحبون إخوتهم المؤمنين بمحبة الله، متبعين وصية الرب المقدسة، هم الذين وُلدوا من جديد (تجددت حياتهم) حقاً. وبعبارة أخرى، فإن الذين نالوا الخلاص بالإيمان بيسوع المسيح البار -الذي صار ذبيحة كفارة عن خطايانا (2: 2) وبذل حياته طوعاً على الصليب (3: 16)- هم بطبيعتهم خلائق جديدة روحياً، مولودون ثانيةً من الروح القدس (الآية 23). وبعد أن صاروا كائنات جديدة تماماً بفضل دم الصليب الثمين، يعيش أهل السماء الآن حياة طاعةٍ مبهجةٍ لوصايا الرب -على خلاف طبيعتهم الساقطة- وحياة محبةٍ صادقةٍ ومتبادلةٍ تجاه إخوتهم المؤمنين. وفيما يتعلق بسر "الولادة الجديدة" (التجديد الروحي) من الله، كان الرسول يوحنا قد أرسى بالفعل معياراً روحياً ثابتاً في (1 يوحنا 2: 29): "إِنْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ بَارٌّ، فَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ مَنْ يَصْنَعُ الْبِرَّ مَوْلُودٌ مِنْهُ". وهنا، يشير تعبير "من يصنع البر" إلى القديس الذي -بينما يثبت في الرب البار- يحب بحرارة الأخ الذي بجواره وفقاً لوصايا الرب. إن الحياة القائمة على الطاعة الكاملة لشريعة يسوع -أي محبة القريب كنفس الإنسان- هي بالضبط ما يُعرِّفه الكتاب المقدس بأنه ممارسة البر الحقيقي. وأولئك الذين يمارسون بر المحبة هذا في حياتهم اليومية هم الذين "وُلدوا منه" حقاً، ويقدمون دليلاً واضحاً على كونهم أبناءً ثمينين لله البار. هذا هو معنى "الحياة في المسيح" —كما تشهد بذلك "الترجمة الإنجليزية المعاصرة" (Contemporary English Version)— وهو ما يمثل الحقيقة الواقعية لـ "الحياة في المسيح" في ظل سيادة الرب وحكمه (الآيتان 27-28). وحدهم أولئك الذين يثبتون في المسيح مع كل نَفَس، ويُظهرون المحبة قولاً وفعلاً وحقاً، هم أبناء الرب الحقيقيون؛ أولئك الذين يعرفون الله الآب، خالق الكون، معرفةً شخصيةً وحقيقيةً وكاملة.

 

بعد مناقشة حياة المولودين ثانيةً والمنتمين إلى الله، يوجه الرسول يوحنا انتباهه فوراً إلى المأساة الروحية لأولئك الذين يقفون في النقيض تماماً، متناولاً القضية بنقد حاد وقاطع. تأمل في نص اليوم، 1 يوحنا 4: 8: "مَنْ لاَ يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ، لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ". إن جوهر إلهنا وطبيعته هو المحبة الكاملة. ومع ذلك، فإن التباهي بحماس باللسان بمعرفة هذا الإلهالذي جوهره المحبة مع كراهية الإخوة والأخوات الماثلين أمام العينين في الواقع، لا يُعد بأي حال معرفةً حقيقيةً بالله؛ بل هو مجرد نفاق ماكر يخدع الله والنفس معاً. ولهذا السبب، تُصدر "الترجمة الكورية المعاصرة" (Hyundai-in-ui Seong-gyeong) حكماً قاطعاً لا هوادة فيه: "من لا يحب لا يعرف الله".

 

من منظور الرسول يوحنا إذن، من هم أيضاً أولئك الذين يعيشون حالة العمى الروحي ولا يعرفون شيئاً عن الله؟ لقد سبق وأعلن يوحنا بحزم في الشق الثاني من الآية 3: 6: "...كُلُّ مَنْ يُخْطِئُ لَمْ يُبْصِرْهُ وَلاَ عَرَفَهُ". إن منطق يوحنا واضح باستمرار، بل ومخيف في وضوحه؛ فأولئك الذين يستهينون بشريعة الله ويرتكبون الخطيئة كعادةٍ لهم، لا يعرفون الله. بل على العكس، يكشف الكتاب المقدس عن الهوية الروحية لكل من يرتكب الخطيئة، موضحاً أنهم ينتمون تماماً "لإبليس" (الآية 8). وبعبارة أخرى، فإن الشخص الذي لا يحب بصدق المؤمنين الآخرين المحيطين به ليس بأي حال قديساً حقيقياً ينتمي إلى الله. تأمل بعمق في ذلك التمييز القاطع الوارد في رسالة يوحنا الأولى 3: 10: "بهذا يُعرف أولاد الله وأولاد إبليس: كل من لا يفعل البر ليس من الله، وكذلك من لا يحب أخاه وأخته". "بهذه الطريقة يتم التمييز بوضوح بين أولاد الله وأولاد إبليس؛ فمن لا يصنع البر أو لا يحب أخاه ليس ابناً لله" (النسخة الكورية المعاصرة). يرفض الله رفضاً قاطعاً أي إيمان زائف يفتقر إلى المحبة؛ فالحياة التي تدير ظهرها للأخ وتخفق في محبته ليست سوى دليل مؤلم على أن صاحبها يقع في أسر ظل إبليس بدلاً من أن ينتمي إلى الله.

 

ولكن أيها الأحباء، ما هي هويتنا الحقيقية؟ نحن أبناء أعزاء لله الخالق الأزلي (الآيات 1-2). ولأن الله الآب قد أغدق علينا محبة لا تُقاس، فقد نلنا التبني؛ إذ انتقلنا من كوننا أبناءً للظلمة لنصبح أبناءً مقدسين للمحبة. لذا، وبصفتنا أبناءً حقيقيين لله، يتحتم علينا الآن أن نتمثل بشخصية الله، فنمارس البر في كل جانب من جوانب الحياة ونحب الإخوة من حولنا بمحبة متقدة (الآية 10). إني أصلي بحرارة باسم الرب لكي نثبت - لا بالكلام البليغ، بل بـ "حياة محبة" مقدسة - وبكل جرأة أننا مواطنون حقيقيون للسماوات، مولودون ثانيةً من الروح القدس، وأننا نعرف إله المحبة معرفة تامة، وذلك من خلال محبة إخوتنا وأخواتنا كما نحب أنفسنا في حياتنا اليومية.

 

(3) ثالثاً: إن من يعجز عن محبة الأخ الذي يراه، لا يمكنه أن يحب الله الذي لا يراه؛ فالمحبة المنافقة التي تضمر كراهية خفية لا تجلب سوى توبيخ الرب الشديد.

 

انظر إلى نص اليوم في رسالة يوحنا الأولى 4: 20؛ إذ يستخدم الرسول يوحنا أقوى مجهر روحي للتمييز بين ما إذا كانت محبة المؤمن لله حقيقية أم زائفة: "إِنْ قَالَ أَحَدٌ: «إِنِّي أُحِبُّ اللهَ» وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، لاَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ" (NKJV). "مَن يدّعي محبة الله وهو يبغض أخاه فهو كاذب؛ فمن لا يستطيع محبة أخيه الذي يراه، لا يمكنه محبة الله الذي لا يراه" (النسخة الكورية المعاصرة). وتكشف الآيات 24-25 من سفر الأمثال بوضوحٍ صارخٍ الواقعَ البائس للمنافق الذي يسعى لخداع الآخرين، وذلك بحسب صياغة "النسخة الكورية المعاصرة": "يُخفي المنافق مشاعره الحقيقية وراء كلمات المداهنة؛ ومهما بدا كلامه عذباً، فلا يمكن الوثوق به، لأن قلبه يفيض بأفكارٍ دنيئة" (النسخة الكورية المعاصرة).

 

أيها الأحباء، حتى ونحن نضمر في قلوبنا كراهيةً وحسداً شديدين تجاه شخص آخر، يمكننا بسهولة أن نرسم على وجوهنا ألطف ابتسامة في العالم، وأن نخفي مشاعرنا الحقيقية خلف كلمات مهذبة ومنمقة. ومع ذلك، فإن الكتاب المقدس يصف هذا السلوك المزدوج بوضوح وحزم بأنه "نفاق". فالمنافق يضمر نوايا شريرة وسامة تجاه الآخر، بينما يسعى ظاهرياً وبمكرٍ لنيل رضاه، مغلفاً طبيعته الحقيقية القبيحة بكلمات مقنعة تعبر عن محبة متقدة. فما هي إذن هذه المحبة المنافقة؟ إنها التلفظ بعبارة "أنا أحبك" بالشفاه، بينما يضمر المرء في أعماق قلبه كراهيةً وإدانةً لأخيه؛ وهذا هو بالضبط نوع المحبة المنافقة التي تنتمي إلى الشيطان. لقد كانت حياة بني إسرائيل في العهد القديم مطابقةً لهذا الوصف تماماً؛ ففي عبادتهم، كانوا يعلنون بصوت عالٍ وبشفاههم أنهم يجلّون الرب ويكرمونه فوق كل شيء، في حين كانت قلوبهم قد ابتعدت عنه كثيراً، وغرقت في خطايا الشهوات الدنيوية وعبادة الأوثان. وفي إنجيل مرقس (7: 6)، نزع يسوع بحزم أقنعة هؤلاء المتدينين المتظاهرين بالتقوى، قائلاً: "أجابهم: حَسَناً تَنَبَّأَ إِشَعْيَاءُ عَنْكُمْ أَيُّهَا ​​الْمُرَاؤُونَ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: هَذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، أَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي". إن المحبة المنافقةحيث يوجد تعارض بين القلب والأفعالهي إساءة روحية يمقتها الله أكثر من أي شيء آخر. فكيف يمكن لشخص يعجز عن محبة أخيه المؤمنذلك الإنسان الحي الماثل أمام عينيهأو تلبية احتياجاته، أن يدعي محبة الله الآب القدوس من كل قلبه، وهو روحٌ لا تراه العين؟ إن ذلك مستحيل. إن المعيار الحقيقي الوحيد لصدق محبتنا لله هو ممارسة المحبة الصادقة تجاه إخوتنا المؤمنين الموجودين بجوارنا. لذا، أصلي بصدق باسم الرب أن تصيروا قديسين أبراراً يبرهنون على صدق محبتهم لله غير المنظور من خلال "مذبح حياتكم"؛ وذلك بنبذ لغة التظاهر واحتضان إخوتكم وأخواتكم بقلب صادق ومخلص. عندما نتأمل في ذلك الإعلان القوي والمؤثر الوارد في رسالة يوحنا الأولى 4: 20، إلى جانب كلمات يسوع في إنجيل مرقس 7: 6، نجد أنفسنا مضطرين لمواجهة الحقيقة القاسية للنفاق الروحي الذي يتربص بنا بإصرار: "إِنْ قَالَ أَحَدٌ: «إِنِّي أُحِبُّ اللهَ» وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟". ومن هذا المنظور، ما هو أكثر أشكال النفاق خداعاً الذي يمارسه المسيحيون اليوم؟ إنه ذلك الفعل الذي نعلن فيه بلساننا وبلاغةٍ أننا "نحب الله غير المنظور"، بينما نُمارس في حياتنا اليومية "بغضاً - أو إخفاقاً تاماً في محبة - الإخوة والأخوات الذين نراهم بأعيننا". وينعكس هذا التناقض الروحي بوضوح في حياتنا التي يفترض أنها حياة توبة؛ فنحن نسارع للاعتراف بخطايانا الخفية ونطلب الغفران بدموع أمام الله القدوس غير المنظور، ولكننا - وبينما نجد العزاء في اليقين بأننا نلنا الغفران منه - نفشل في إخضاع ذواتنا، أو الاعتراف بأخطائنا، أو طلب الصفح الصادق من "الإخوة والأخوات الماثلين أمام أعيننا"؛ أولئك الذين جرحناهم وتسببنا في بكائهم دموعاً من دمٍ بسبب كلماتنا وأفعالنا. إن التمسك العنيد بالكبرياء أمام رفاقنا المؤمنين مع اتخاذ التقوى لله ذريعةً لذلك، هو ذاك النفاق الروحي الشنيع الذي يدينه يوحنا.

 

لماذا إذن نرتكب بلا انقطاع خطيئة النفاق المخزية هذه؟ ولماذا نركز كل اهتمامنا على علاقتنا العمودية مع الله غير المنظور، بينما نتجاهل تماماً الحاجة الأفقية للمصالحة مع الأعضاء المنظورين في جسد المسيح؟ يكمن السبب الجذري في تضخم ذواتنا وفي نفاقنا الروحي؛ فبما أن الله غير منظور، يمكننا بسهولة أن نتظاهر بـ "محبة الله" استناداً فقط إلى مشاعرنا الدينية الذاتية، دون أن نضطر أبداً إلى كسر إرادتنا العنيدة. وفي المقابل، فإن الاعتراف بالخطايا وطلب الغفران من الإخوة والأخوات الذين بجوارنا ينطوي على ألم حقيقي؛ إذ يتطلب منا أن نُسمّر كبرياءنا الحي بقوة على الصليب. إن الرب لا يقبل أبداً تلك الممارسات الدينية المنافقة التي يرفع فيها المرء يديه نحو إله السماء، بينما يغض الطرف عن رفاقه المؤمنين الماثلين أمامه مباشرة. لقد حان الوقت لننزع عن أنفسنا بشجاعة رداء النفاق، ونقف كأبناء حقيقيين لله؛ فننقل الصدق الذي أظهرناه حين انحنينا أمام الله غير المرئي إلى علاقاتنا مع إخوتنا وأخواتنا المنظورين، معترفين بأخطائنا وساعين نحو المصالحة.

 

ومما يبعث على خجلي أنني لم أواجه -بألم وفي ضوء كلمة الله- حقيقة هذا النفاق الرهيب الكامن في داخلي إلا مؤخراً. وبقلب مثقل، وتحت تأثير تبكيت الروح القدس، دوّنت كلمات التوبة هذه في دفتر ملاحظاتي الرعوي: "إن النفاق في داخلي هو رفضٌ لفحص نفسي بصدق أولاً أمام كلمة الله -تلك المرآة الروحية. إنه يعني تجاهلاً تاماً لـالخشبة الضخمة العالقة في عيني، بينما أستخدم تلك العين الفاسدة المليئة بالخشبة لرصدالقذى (الذرة الصغيرة) في عين شخص آخر، والإشارة إليها وإدانتها بسرعة وقسوة". لقد دُفعت لكتابة هذا الاعتراف الممزوج بالدموع لأن الروح القدس -بينما كنت أقرأ وأتأمل في الآيات 41-42 من الإصحاح السادس في إنجيل لوقا- ألزمَني بمواجهة ذاتي الخفية ونفاقي وجهاً لوجه: "لماذا تنظر إلى القذى الصغير في عين أخيك ولا تعير اهتماماً للخشبة في عينك؟ كيف يمكنك أن تقول لأخيك: ’يا أخي، دعني أخرج القذى من عينك، وأنت نفسك لا ترى الخشبة في عينك؟ أيها المرائي، أخرج الخشبة من عينك أولاً، وحينها ستبصر بوضوح لتزيل القذى من عين أخيك". وأمام صوت الرب المهيب هذا، تلاشت مظاهر التظاهر والزيف عندي.

 

وكما يحذر مفسرو الكتاب المقدس، فإن التصرف بقداسة مصطنعة -مدفوعاً باهتمام مفرط بآراء الآخرين وسمعتهم- هو محاولة لخداع الله الذي يفحص القلوب بعينين كاللهب المتوقد؛ إنها جريمة روحية بالغة الخطورة والقبح تتمثل في خداع الذات. فمن حيث التعريف، يشير "النفاق" إلى اختلاق الكلمات أو الأفعال وتزييفها. ولقد أمرنا الرب بوضوح وحزم أن نحب إخوتنا المؤمنين وجيراننا كما نحب أنفسنا. ومع ذلك، فإن إضمار أشواك الحسد والكراهية وإصدار الأحكام على الأخ في أعماق القلب، مع ارتداء قناع ديني -والتظاهر ظاهرياً بلطف ومحبة فائقين عبر كلمات وأفعال منافقة- يمثل جوهر ذلك الزيف الذي يمقته الله. فمن خلال الشطر الأول من الآية (1 يوحنا 4: 20)، يوجه الرسول يوحنا إعلاناً حاسماً لا هوادة فيه لأولئك المقيّدين بسلاسل النفاق هذه: "إِنْ قَالَ أَحَدٌ: «إِنِّي أُحِبُّ اللهَ» وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ...". واستناداً إلى هذا الإعلان القوي الصادر عن الرب وتأملاتي الرعوية الخاصة، أخذتُ أتأمل بعمق في حقيقتين روحيتين هامتين يجب علينا معالجتهما. فما هي بالضبط "السلوكيات المنافقة" التي يحذرنا الكتاب المقدس منها بمثل هذه اللهجة الصارمة؟

 

وفقاً لتعريف القاموس، يشير النفاق (أو التظاهر) إلى افتعال الكلمات أو الأفعال، أي اتخاذ مظهر زائف. ولنُسقِط هذا المفهوم على حياتنا الإيمانية؛ ففي الأناجيل، أمرنا الرب بصرامة أن نحب القريب وإخوتنا في الإيمان كما نحب أنفسنا (متى 22: 39). ومع ذلك، وبينما ينمّي المرء في أعماقه الأعشاب الضارة المتمثلة في الحسد والاستياء والكراهية تجاه أخيه، قد يرتدي قناعاً دينياً أمام الآخرين ويختلق كلمات وأفعالاً تبدو في غاية اللطف والمحبة؛ وهذا هو الشكل الأسمى للنفاق الذي يبغضه الله. فمن خلال الشطر الأول من الآية (1 يوحنا 4: 20)، يوجه الرسول يوحنا إعلاناً حاسماً لا هوادة فيه لأولئك المقيّدين بسلاسل النفاق هذه: "إِنْ قَالَ أَحَدٌ: «إِنِّي أُحِبُّ اللهَ» وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ...". يجب ألا نقع في التناقض الروحي المتمثل في الاختباء خلف اعترافات مقدسة بالشفاه بينما ندين إخوتنا في قلوبنا. وبينما كنت أتأمل في كلمات يوحنا القوية هذه، قادتني الأفكار للتأمل بعمق في حقيقتين روحيتين هامتين يجب علينا استيعابهما حقاً أمام الله:

 

(أ) أولاً، كل من يعترف بأن يسوع المسيح هو ابن الله، يرتقي إلى مرتبة "محبة الله" الحقيقية الموجهة نحو الآب.

 

عند التعمق في شرح العبارة الواردة في رسالة يوحنا الأولى 4: 20 — "إِنْ قَالَ أَحَدٌ: «إِنِّي أُحِبُّ اللهَ»..." — ينبغي لنا أن نتأمل فيها مقترنةً بالكلمات المهيبة الواردة في الآية السابقة، أي الآية 15: "مَنِ اعْتَرَفَ بِأَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ، فَاللهُ يَثْبُتُ فِيهِ وَهُوَ فِي اللهِ". ومن المثير للاهتمام أن كلتا الآيتين تستهلان بكلمة "مَن" (أو "أحد")، مما يوجه دعوةً رحبةً وشاملة. إن الرابطة الروحية العميقة بين هاتين الآيتين لا تخفى على أحد: فالمؤمن الحقيقي هو من "يعترف من القلب بأن يسوع هو ابن الله" (الآية 15)، والنفس التي تتبنى هذا الاعتراف تصبح بطبيعتها نفساً "تحب الله من كل قلبها" (الآية 20)؛ فهما أمران لا ينفصلان.

 

ما هو السبب المحدد المستمد من الإنجيل لذلك؟ كما تؤكد "النسخة الكورية المعاصرة" (Hyundai-in-ui Seong-gyeong)، يعود السبب إلى أن المؤمن الذي يعترف بيسوع المسيح ابناً لله، يدرك ويؤمن شخصياً وبشكل كامل بذلك الحب العظيم والنقي الذي يكنّه الله له (الآية 16). فبعد أن وضع ثقته في الآبالذي لم يبخل بابنه الوحيد بل قدمه ذبيحةً كفاريةلم يعد ذلك المؤمن يقيم في أرض الخطيئة والموت، بل صار مسكنه في رحاب محبة الرب الأبدية. وبالنسبة لمن يثبت في ذلك الأتون المقدس من المحبة، يصبح من المستحيل ألا يحب الله الآبالذي بادر هو بمحبته واحتضانه أولاًمن كل قلبه ونفسه وعقله (الآية 20). وهكذا، فإن الإيمان المسيحي القويم الذي يعترف بيسوع يثبت صحته حتماً من خلال ثمر المحبة الحقيقية لله، والمتمثلة في تقوى الآب وتبجيله بقلب متقد. (ب) ثانياً، إن النفاق المتمثل في ادعاء محبة الله مع كراهية الأخ لا يعد مجرد خداع أخلاقي فحسب، بل هو كذبة روحية مدمرة تنكر صراحةً حقيقة أن يسوع هو "المسيح" الذي حمل الصليب من أجلي.

 

أما الحقيقة الروحية الخطيرة الثانية التي يكشف عنها الرسول يوحنا في النصف الأول من الآية 20 من رسالته الأولى، فهي الهوية الحقيقية لـ "الكاذب". علينا أن نستحضر بوضوح التعريف اللاهوتي المنهجي لـ "الكاذب" الذي أعلنه يوحنا سابقاً في رسالته الأولى (2: 22): "مَنْ هُوَ الْكَذَّابُ، إِلاَّ الَّذِي يُنْكِرُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ؟ هذَا هُوَ ضِدُّ الْمَسِيحِ، الَّذِي يُنْكِرُ الآبَ وَالابْنَ". لننظر في سياق هذين النصين معاً؛ فعند فحص رسالة يوحنا بأكملها، نجد أن هوية "الكاذب" الحقيقي -كما يحددها الكتاب المقدس- تنحصر بدقة في فئتين:

 

1.           أولئك الذين ينكرون عقائدياً أن يسوع هو المسيح الوحيد -أي "الممسوح" من الله- الذي يخلص البشرية جمعاء (1 يوحنا 2: 22).

 

2.           أولئك الذين يعلنون عملياً وبصوت عالٍ عن حبهم الشديد لله بألسنتهم، بينما يبغضون في الواقع رفاقهم في جسد المؤمنين وإخوتهم الموجودين بجوارهم (1 يوحنا 4: 20).

 

وبينما كنت أتأمل بعمق في الرابط بين هذين الجانبين للكذب اللذين كشف عنهما يوحنا، واجهت حقيقة روحية هائلة ومؤلمة تخترق النفس؛ إنها الحقيقة القائلة بأن "فعل بغض الأخ الماثل أمام العينين، مع الادعاء بمحبة الله، لا يختلف في جوهره عن سلوك 'ضد المسيح'؛ إذ يُعد ذلك إنكاراً لكون يسوع هو مخلّصي ومسيحي". فما هو السبب المحدد لذلك، استناداً إلى الإنجيل؟ إن الإيمان بيسوع الناصري والاعتراف به باعتباره "المسيح" الحقيقي يعني الإقرار بأنه -بصفته الممسوح- قد أتمَّ تماماً مهام الملك والنبي ورئيس الكهنة. وفوق كل ذلك، يعني الاعتراف بحياتنا بأكملها بأنه -بصفته رئيس الكهنة بلا عيب- قد حمل شخصياً كل خطايانا الشنيعة ومات على الصليب -سافكاً الماء والدم كذبيحة كفارية- ليعيدنا نحن المليئين بالتعديات إلى الحياة (1 يوحنا 4: 9-10). وبعد أن أُنقذنا من الموت البائس بفضل محبة المخلّص الكفارية والمؤثرة في الأعماق، ينبغي علينا أن نحب الرب ونطيعه؛ ولكن، إذا اكتفينا بإظهار التبجيل له بألسنتنا بينما نحسد إخوتنا المؤمنين ونبغضهم، فما هذا إلا إيمان زائف يُهين عمل الرب على الصليب وينكره؟ إن قوة إنجيل الصليب لا تسري في قلب من يبغض أخاه. في النصف الثاني من الآية 20، يوجه الرسول يوحنا توبيخاً حاسماً لهذا السلوك الديني المضلل: "...لأن مَنْ لا يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، لاَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ". أيُّ اعترافٍ يعجز المرءُ عن النطق به بشفتيه؟ ومع ذلك، فإن الإعلان بصوتٍ عالٍ عن محبة الله الآب القدوسالذي هو روحٌ وغير منظور مع التقاعس عن احتضان الإخوة والأخوات الذين يعيشون ويعملون أمام أعيننا مباشرة، ليس سوى كذبة منافقة يطلقها محتالٌ سُلبت روحه. إن المسيحي الحقيقي، الذي نال الخلاص بدم الصليب الثمين، لا يكتفي بعبادة الله غير المنظور ومحبته بصدق، بل يحتضن أيضاً إخوته وأخواته المنظورين بالأعمال والحق، كدليلٍ حتميٍ على تلك المحبة. فلننقش في أرواحنا الوصية الجوهرية الواردة في رسالة يوحنا الأولى 4: 21 —كما صيغت في "النسخة الكورية المعاصرة"— باعتبارها أمراً من الملك الأبدي: "مَنْ يُحِبُّ اللهَ، يَجِبُ أَنْ يُحِبَّ أَخَاهُ أَيْضاً. وَقَدْ تَلقَّيْنَا هَذِهِ الْوَصِيَّةَ مِنْ يَسُوعَ". إن الذين يعرفون الله حقاً لا يمكنهم أبداً أن يعيشوا في ظلام الكراهية. أصلي بصدقٍ وحرارةٍ باسم الرب أن تكونوا قديسين، تستمدون طبيعتكم من الله المثلث الأقانيم الذي أحبنا أولاً، وتبرهنون للعالم أجمع أن اعترافكم بالإيمان هو حقيقةٌ صادقة، وذلك بمحبة الأخ الماثل أمامكم كما تحبون أنفسكم.

 

ثمة حقيقة جليلة يجب أن ننقشها مجدداً في أعماق قلوبنا: إن أولئك الذين لا يحبون بصدقٍ الإخوة والأخوات الموجودين أمامهم مباشرة، لا يحبون الله حقاً. وبينما كنت أدرك حقيقة هذا النفاق المخزي وأصحح مسار قلبي والدموع في عينيّ، ترددت في أذني بهدوء كلمات ترنيمة روحية من تراث السود؛ إنها المقطع الثاني من الترنيمة رقم 463، "أريد أن أكون مؤمناً": "أريد أن أحب... بصدقٍ، بصدقٍ؛ أريد أن أحب... بصدقٍ". وبينما كنت أنشد هذه الترنيمة لله والدموع تملأ عينيّ في خلوة صلاتي الخاصة، جعلتها أعمق صلواتي الرعوية وأكثرها صدقاً: "يا رب، أرجوك أن تحرق تماماًفي أتون الصليب بقايا الحسد والغيرة وإصدار الأحكام والإدانة التي تتربص بعنادٍ داخل قلبي". "وهكذا، بمحبة يسوع المسيح النقية والكاملة -التي لا تشوبها كراهية أو دافع أناني- هبني أن أحب الرب فوق كل شيء أولاً، وأن أحب القريب وإخوتي في الإيمان الموكلين إليّ كما أحب جسدي." لا تنتهي هذه الصلاة عند مجرد الاعتراف بالماضي؛ بل هي التضرع الفريد الذي أرفعه إلى الرب في واقع "اليوم" المعاش، بتلقائية واستمرارية تشبهان التنفس.

 

أيها الأحباء، لننزع الآن بجرأة أثواب التظاهر والنفاق عن شفاهنا. ولنحب الله محبة فائقة، نقية وكاملة، وخالية من أي شائبة. ولنصبح -مدفوعين بمحبة الرب الفائقة للطبيعة (محبة "الأغابي") المنبثقة من ذلك النبع السماوي للمحبة العمودية- أبناءً حقيقيين لله، نحب بصدق ودون شروط إخوتنا في الإيمان ومن هم بجوارنا. وحين نحتضن بصدق القريب الموجود أمامنا ونمسح دموعه، ستُثبت محبتنا لله غير المرئي للعالم أجمع كحقيقة صادقة لا رياء فيها. ولنتجاوز مجرد الكلمات والأقوال لنبني مجتمعاً قائماً على المحبة من خلال الأفعال والإخلاص؛ وإنني أصلي بصدق باسم الرب أن يتذوق جميع القديسين المباركين في "كنيسة فيكتوري المشيخية" (Victory Presbyterian Church) ويتمتعوا بوفرة بفرح وانتصار ملكوت الله في حياتهم اليومية.

 

(4) رابعاً، عندما نحب بعضنا بعضاً، يسكن الله غير المرئي فينا، وتصل محبته أخيراً إلى كمالها التام في وسطنا.

 

انظروا إلى نص اليوم: رسالة يوحنا الأولى 4: 12. يكشف الرسول يوحنا عن سر السكنى والاتحاد العميق والروحي بين الله والمؤمن: "اللهُ لَمْ يَنْظُرْهُ أَحَدٌ قَطُّ. إِنْ أَحْبَبْنَا بَعْضُنَا بَعْضاً، فَاللهُ يَثْبُتُ فِينَا، وَمَحَبَّتُهُ قَدْ تَكَمَّلَتْ فِينَا". "لم يرَ أحدٌ اللهَ قط. ولكن إن أحببنا بعضنا بعضاً، فإن الله يعيش فينا، وتكتمل محبته فينا" (النسخة الكورية المعاصرة). لنتأمل بعمق الكلمات الجميلة لترنيمة الإنجيل الشهيرة "اثبت فيّ" (Abide in Me)، التي طالما لامست قلوب عدد لا يحصى من المؤمنين ومنحتهم عزاءً روحياً عميقاً: "اثبت فيّ، فأنا إلهك؛ أنا من يحميك وسط كل المحن. لا تخف، فإني سأعينك؛ ولا تضطرب، فإني سأمسك بيدك. لقد دعوتك باسمك؛ أنت لي - أنت لي، وأنا إلهك. أنت عزيز ومكرم عندي؛ أنا الرب الذي يحبك". إن كلمات هذه الترنيمة، التي تغمر الروح، ليست بأي حال مجرد نتاج للمشاعر البشرية؛ بل هي كلمات رائعة من السماء، متجذرة بعمق في الوعود الكثيرة والمتعددة التي تزخر بها أسفار العهدين القديم والجديد.

 

(أ) أولاً، يدعونا الرب لنقيم إلى الأبد في نعمة الصليب وحدها، بدلاً من العيش في عالم الرغبات الفانية والفاسدة.

 

"كَمَا أَحَبَّنِي الآبُ أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا. اثْبُتُوا فِي مَحَبَّتِي" (يوحنا 15: 9).

 

(ب) ثانياً، يصير الرب لنا ترساً وحارساً كاملاً ونحن نجتاز برية الحياة الوعرة، ممكّناً إيانا من النجاة تماماً من كل ضيقة.

 

"الرَّبُّ يَحْفَظُكَ مِنْ كُلِّ شَرّ. يَحْفَظُ نَفْسَكَ" (مزمور 121: 7).

 

(ج) ثالثاً، يقدّم الرب لنانحن المترددين أمام المحن والشعور بالهزيمة الروحية وعداً أميناً لا ينقض بأن يمسك بنا بقوة ويعيننا بيمينه البارة القديرة.

 

"لاَ تَخَفْ لأَنِّي مَعَكَ. لاَ تَتَلَفَّتْ لأَنِّي إِلهُكَ. قَدْ أَيَّدْتُكَ وَأَعَنْتُكَ وَعَضَدْتُكَ بِيَمِينِ بِرِّي" (إشعياء 41: 10).

 

(د) رابعاً، "لقد دعوتك باسمك؛ أنت لي... أنت لي".

 

"وَالآنَ هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: خَالِقُكَ يَا يَعْقُوبُ وَجَابِلُكَ يَا إِسْرَائِيلُ: لاَ تَخَفْ لأَنِّي فَدَيْتُكَ. دَعَوْتُكَ بِاسْمِكَ. أَنْتَ لِي" (إشعياء 43: 1).

 

(هـ) خامساً، "أراك عزيزاً ومكرّماً".

 

"إِذْ صِرْتَ عَزِيزاً فِي عَيْنَيَّ مُكَرَّماً، وَأَنَا قَدْ أَحْبَبْتُكَ، أُعْطِي أُنَاساً بَدَلاً مِنْكَ، وَشُعُوباً بَدَلَ نَفْسِكَ" (إشعياء 43: 4). إن الإعلان العظيم عن الفداء والملكية الوارد في الإصحاح 43 من سفر إشعياءوالذي تأملناه بعمق سابقاً بأن الله قد دعانا بأسمائنا وجعلنا خاصته، يجد تعبيره الأسمى في الأناجيل كقاعدة عملية للحياة؛ ففي الشق الثاني من الآية (يوحنا 15: 9)، يوجه يسوع دعوة رائعة لتلاميذه: "اثْبُتُوا فِي مَحَبَّتِي". ثم، في الآية التالية (الآية 10)، يوضح الرب بجلاء السبيل الوحيد للبقاء في ذلك الحب المتألق والتمتع بالاتحاد معه، قائلاً: "إِنْ حَفِظْتُمْ وَصَايَايَ تَثْبُتُونَ فِي مَحَبَّتِي، كَمَا أَنَا حَفِظْتُ وَصَايَا أَبِي وَأَثْبُتُ فِي مَحَبَّتِهِ". إن السر الروحي للبقاء في محبة الرب ليس سوى "حفظ وصايا الرب".

 

فما هي إذن وصية يسوع هذه التي يجب أن نحافظ عليها ونحميها بكل ما أوتينا من حياة؟ تعلن الآيتان 12 و17 من الإصحاح الخامس عشر في إنجيل يوحنا عن أمرٍ سامٍ وواضح لقلوبنا، أمرٍ لا يقبل أي مساومة: "هَذِهِ هِيَ وَصِيَّتِي: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا" (الآية 12)؛ "أَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً. هَذَا بِالضَّبْطِ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (الآية 17، *النسخة الكورية المعاصرة*). لقد تبنى الرسول يوحنا بعمق هذه الوصية العظيمة التي أعلنها الرب في ظل الصليب، وصاغها لاحقاً ببراعةمن خلال الآيات 23-24 من رسالة يوحنا الأولىكنموذج عميق للحلول المتبادل: "وَهَذِهِ هِيَ وَصِيَّتُهُ: أَنْ نُؤْمِنَ بِاسْمِ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَأَنْ نُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً كَمَا أَوْصَانَا. فَمَنْ يَحْفَظُ وَصَايَاهُ يَثْبُتُ فِي اللهِ وَاللهُ يَثْبُتُ فِيهِ. وَنَعْلَمُ أَنَّهُ يَثْبُتُ فِينَا بِوَاسِطَةِ الرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي وَهَبَنَا إِيَّاهُ" (NLT). "إن حفظ وصية الله يعني الإيمان باسم ابنه يسوع المسيح ومحبة بعضنا بعضاً كما أوصى المسيح. فمن يحفظ وصية الله يعيش في الله، والله يعيش في ذلك الشخص. ولذلك، نعلم أنه يعيش فينا من خلال الروح القدس الذي وهبنا إياه" (النسخة الكورية المعاصرة). إن المبدأ الروحي المُعلن هنا واضح: عندما نُسمّر أنانيتنا وجراحنا على الصليب ونحب بصدق رفاقنا المؤمنينإخوتنا وأخواتناطاعةً لوصية الرب، فإننا نسكن حقاً في الله، والله بدوره يسكن في صميم كياننا. علاوة على ذلك، ومن خلال حضور الروح القدسوهي هبة أفاضها الرب علينا نختبر بوضوح وندرك في حياتنا اليومية الأدلة الدامغة على أن الله غير المنظور حيٌّ وفاعلٌ حقاً في مجتمعنا وفي أعماق نفوسنا.

 

يعلن نص اليوم، الوارد في رسالة يوحنا الأولى 4: 13، عن حقيقة السكنى والاتحاد هذه بيقينٍ مطلقٍ وموجزٍ في آنٍ واحد: "بهذا نعرف أننا نثبت فيه وهو فينا: أنه قد أعطانا من روحه". فالله، أي الروح القدس، يضرم بنفسه نار حضوره في حياتنا ونحن نحب بعضنا بعضاً؛ إنه الضمان الأسمى الذي يؤكد الحقيقة الروحية بأننا ننتمي حقاً إلى الله وأن الرب يسكن فينا. وعندما نطيع الكلمة ونحب إخوتنا بمحبة متقدة، فإن الله غير المنظور سيصبح منظوراًمتجلياً كأبهى حقيقة أمام العالم أجمع وذلك من خلال عمل الروح القدس فينا.

 

في نص اليوميوحنا الأولى 4: 12— والآيات السابقة (3: 23-24)، نكتشف توازياً روحياً في غاية الروعة والجمال؛ فكلا النصين يعلنان بقوة أن الوصية العظمى لمواطني ملكوت السماوات هي "أن نحب بعضنا بعضاً". وعلاوة على ذلك، يؤكد النصان سر اتحادنا بالله: فعندما نطيع هذه الوصية ونحب إخوتنا وأخواتنا، يسكن الله القدوس غير المنظور في ذواتنا المحدودة ويقيم فيها. ومع ذلك، لا يتوقف الرسول يوحنا عند هذا الحد؛ بل يقودنا عبر الآية 4: 12 إلى أفق روحي أعمق. فبينما تصف الآية (يوحنا الأولى 3: 24) كيف نتمتع بـ "بركة الثبات في الله" حين نحفظ وصايا الرب، يعلن نص اليوم (4: 12) أنه في نهاية رحلة الطاعة تلك، "تتكامل محبة الله فينا": "الله لم ينظره أحد قط. إن أحببنا بعضنا بعضاً، فالله يثبت فينا، ومحبته قد تكاملت فينا". فما هو إذن المعنى الحقيقي لكوننا "نتكامل" (أو نبلغ الكمال) في هذا السياق؟ لقد أوضح الرسول يوحنا بجلاء سرَّ هذا الاكتمال في الجزء الأول من الآية 2: 5 من رسالته الأولى: "وَأَمَّا مَنْ حَفِظَ كَلِمَتَهُ، فَحَقًّا قَدْ تَكَمَّلَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ اللهِ". وتُعبِّر "الترجمة الكورية المعاصرة" (*Hyundai-inui Seonggyeong*) عن هذه الحالة المجيدة بقولها: "إن محبة الله تصبح كاملة حقاً فينا". وبعبارة أخرى، حين نتبع شريعة الرب ونحب إخوتنا المؤمنين كما نحب أجسادنا، فإن محبة الله الواسعةالتي تفوق في فيضها ملء الكون بأسره تجد أخيراً كمالها التام (بنسبة 100%) وتُثمر ثمرتها القصوى في داخلنا، نحن الذين لسنا سوى أوانٍ خزفية مكسورة. وعندما نخضع للكلمة ونحب بعضنا بعضاً بمحبة متقدة، يحدث عمل سماوي عجيب: إذ تتكامل محبة الله فينا (2: 5، 4: 12)، ويسكن الله القدير نفسه فينا (3: 24). تأمل في رسائل الرسول يوحنا بأكملها؛ ستجده يعلن باستمرار عن تلك الكنوز السماوية العظيمة التي تملأ قلوب القديسين الأطهار.

 

ففي الآية 2: 14، أعلن أن "كلمة الله" القوية، التي تحطم سلطان الظلمة، تسكن فينا.

 

وفي الآيات 3: 14-15، أكد أن "الحياة الأبدية" المجيدة، التي تبطل عقاب الجحيم، تقيم فينا بالفعل.

 

والآن، في نص اليومالآيتين 4 و13 من الإصحاح الرابع يطلق إعلاناً كونياً: إن "الروح القدس" —الذي يفوق بمراحل لا تُقاس الشيطانَ وكلَّ قواته في هذا العالم يسكن فينا شخصياً ويحيا في داخلنا.

 

أيها الأحباء، هذا هو الغنى الروحي الذي لا يُوصف والذي يتمتع به القديسون الحقيقيون المنتمون إلى الله. ففي داخلنا، تحيا الكلمة وتنبض، وتتدفق الحياة الأبدية، ويسود روح الحق القدس. وإذ نلنا فيضاً غزيراً من هذه المحبة والحياة الثالوثية، فلا يوجد أدنى سبب يمنعناأنا وأنت من محبة إخوتنا الأعضاء داخل الجماعة. وبقوة الروح القدس الساكن فينا، أصلي بحرارة باسم الرب لكي تصيروا قديسين أطهاراً يختبرون ويحققون محبة الله الكاملة في كنائسكم وبيوتكم. بينما كنتُ أتعمق في تفسير هذه النصوص الجليلة وأتأمل فيها، وقفتُ أمام ذروة الإنجيل الكوني؛ تلك الحقيقة التي تلامس أعماق النفس وتُحرّك مشاعرها. فحين نحب إخوتنا وأخواتنا بمحبة صادقة ومتقدة، طاعةً لشريعة الرب، فإننا نختبر ما هو أسمى بكثير من مجرد شعورٍ مجرّد بالسلام. إن الله الآبالذي هو المحبة ذاتها في جوهرهيتخذ له مسكناً في داخلنا شخصياً (3: 24؛ 4: 8، 16)؛ وعلاوة على ذلك، فإن يسوع المسيح، ابن الله — "كلمة الحياة" الكائن منذ البدء و"الحياة الأبدية" التي تمنح الحياة للعالم بأسرهيحلّ في صميم كياننا (1: 1-3). وفضلاً عن ذلك، فإن الله الروح القدسالذي تفوق عظمته كل ظلمة أو قوة شيطانية في هذا العالميملك ويسكن في الهيكل الداخلي لنفوسنا (4: 4، 13). ولو أردتُ صياغة تعريف لهذه الحقيقة السماوية الغامضة والمبهرة في جملة واحدة، لقلت: "عندما نحب بعضنا بعضاً وفقاً لوصية الرب، فإن الله المثلث الأقانيمخالق الكون بأسرهيحلّ فينا ويعيش في داخلنا شخصياً".

 

أيها الأحباء، إنني وإياكم نُعدّ من أهل الإيمان الراسخ، ونقرّ من أعماق قلوبنا بأن يسوع الناصري هو ابن الله الحي (الآية 15). ويعلن الكتاب المقدس وعداً لا ينقض بشأن هويتنا، موجّهاً إياه لمن أعلنوا هذا الإقرار الثابت بالإيمان: "مَنْ يَعْتَرِفُ بِأَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ، فَاللهُ يَثْبُتُ فِيهِ وَهُوَ فِي اللهِ" (الآية 15). وعلاوة على ذلك، يؤكد الكتاب المقدس مراراً وتكراراً أننا -بصفتنا أبناءً تربطنا علاقة عمودية بالله- حين نبني مذبحاً للمحبة الأفقية تجاه بعضنا البعض، فإننا نبلغ محطة روحية متميزة: "إِنْ أَحْبَبْنَا بَعْضُنَا بَعْضاً، فَاللهُ يَثْبُتُ فِينَا، وَمَحَبَّتُهُ قَدْ تَكَمَّلَتْ فِينَا" (الآية 12). وإنني أصلي لكي يبادر كل عضو في كنيستنا، "كنيسة النصر المشيخية" (Victory Presbyterian Church)، وبكل جرأة، إلى تثبيت عواطفه ورغباته الأنانية على الصليب، وأن يحبوا بعضهم بعضاً كما يحبون أنفسهم، وذلك في طاعة تامة لوصية الرب الجديدة. فليصبح الحضور المجيد لله -الآب والابن والروح القدس- وسكناه فينا حقيقة ملموسة داخل مجتمعنا، ولتتمتعوا بالبركة الساطعة لرؤية محبة الله الكاملة وقد تحققت تماماً -بنسبة 100%- في حياتكم اليومية. أصلي من أجل ذلك بصدق وإخلاص باسم الرب.

 

(5) خامساً: المحبة الكاملة تطرد الخوف من يوم الدينونة وتمنحنا جرأة مقدسة لا تتزعزع.

 

لننظر معاً إلى نص اليوم الوارد في رسالة يوحنا الأولى 4: 17. يعلن الرسول يوحنا ما يلي بخصوص الميراث الروحي والسلام السماوي اللذين يكتملان من خلال الطاعة النابعة عن المحبة: "بِهذَا تَكَمَّلَتِ الْمَحَبَّةُ فِينَا: أَنْ يَكُونَ لَنَا ثِقَةٌ فِي يَوْمِ الدِّينُونَةِ، لأَنَّهُ كَمَا هُوَ، هكَذَا نَحْنُ أَيْضاً فِي هذَا الْعَالَمِ" (النسخة الكورية القياسية الجديدة المنقحة). "من خلال هذا، تكتمل المحبة بيننا، مما يتيح لنا مواجهة يوم الدينونة بثقة؛ وذلك لأننا نحن أيضاً نصبح مثل يسوع في هذا العالم" (النسخة الكورية المعاصرة). من النصوص الكتابية المؤثرة للغاية التي لا يمكنني نسيانها طوال رحلتي في الخدمة الرعوية، ذلك الجزء الأول من الآية 18 في الإصحاح الرابع من رسالة يوحنا الأولى، والذي يقول: "لاَ خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَدُ الْخَوْفَ إلى خَارِجٍ...". لقد نُقشت هذه الآية بعمق في قلبي لأن الرب كان يذكّرني بها مراراً -وقد شاركتها مرات لا تُحصى- كلما التقيتُ بالعديد من الإخوة والأخوات، وقدمتُ لهم المشورة وصليتُ معهم والدموع في عيوننا. وللأسف، كان هناك داخل جماعة المؤمنين كثيرون يئنون تحت وطأة شعور عميق بالرفض والخوف وهم يحاولون محبة الآخرين وبناء علاقات معهم. على سبيل المثال، كان أحد المؤمنين المنحدرين من عائلة مسيحية يعاني من خوف وقلق شديدين لا يمكن وصفهما مع اقتراب موعد زفافه؛ وعند فحص جذور ذلك الألم، اتضح أنه كان حبيس خوف عميق -نابع من صدمة طلاق والديه المأساوي في طفولته- من أن يفشل هو أيضاً في الزواج ويُترك وحيداً.

 

يقرر الكتاب المقدس هذه الحقيقة بوضوح وحسم، تماماً كما ورد في ترجمة "النسخة الكورية المعاصرة": "لا خوف في المحبة؛ فالمحبة الكاملة تطرد الخوف بالفعل". فلماذا إذن نواصل العيش مقيدين بسلاسل القلق والخوف الداخلي، حتى ونحن نعتز بهذا الوعد المجيد في قلوبنا؟ السبب الجوهري هو أن محبتنا لم تصل بعد إلى مرحلة "المحبة الكاملة" -أي المحبة الناضجة الخالية من أي شائبة (الآية 18). والسبب الحقيقي وراء بقاء محبتنا غير ناضجة وغير نامية هو عصياننا المستمر؛ أي فشلنا في الخضوع الكامل لوصية الله العظمى بأن "نحب بعضنا بعضاً" (2: 5، 4: 12). ولننظر عن كثب إلى هذا الواقع المخزي: ففي كثير من الأحيان، وبدلاً من أن نُظهر محبة الرب الباذلة، ننظر إلى إخوتنا وأخواتنا من خلال عدسة مشاعرنا الأنانية وجراحنا الماضية، فنضمر لهم الضغينة والكراهية (2: 11). إن أولئك الذين يفشلون في جعل المحبة تثمر في حياتهم، وينزلقون بدلاً من ذلك إلى ظلمات الكراهية، يقعون حتماً في قبضة الخوف والارتعاد. وكما تشير "النسخة الإنجليزية المعاصرة" (CEV) بعبارة مؤثرة، فإنهم في أعماقهم يخشون غريزياً العقاب الذي قد يواجهونه أمام كرسي دينونة الله الصارم (4: 18). تُولد الكراهية دائمًا احتمالاً مرعباً يتمثل في الدينونة والحكم المؤلم.

 

غير أن المؤمنين الذين أخضعوا أنفسهم تماماً لوصية الرب العظمىجاثين في خضوع ومُتمّمين المحبة من خلال محبة بعضهم بعضاً بحرارةلا يعرفون الخوف. ولأنهم يرسّخون حياتهم في اليقين بمحبة الله الفاديةمدركين أنه أحبني أنا غير المستحق أولاً (الآية 19)—فإنهم يعيشون في طاعة، محبين إخوتهم المؤمنين محبة غير مشروطة؛ وبذلك، لا يمكن لأي ظل للدينونة أن يمسهم أبداً. فالمحبة الكاملة تطرد فوراً رعب الدينونة والخوف من الجحيم. ومستنداً إلى قوة هذه المحبة الناضجة، أصلي بصدق باسم الرب لكي تصبحوا أبناءً حقيقيين للهتقفون بلا خجل، وبثقة واستقامة، حين تواجهون وجه الرب في يوم الدينونة الآتي أمام العرش الأبيض العظيم.

 

اليوم، وبينما نقف أمام الإعلان المهيب الوارد في رسالة يوحنا الأولى 4: 17، نواجه السؤال الأعمق والأكثر جدية في الإيمان: "بهذا تكمل المحبة فينا، لكي تكون لنا ثقة في يوم الدينونة، لأننا كما هو، هكذا نحن أيضاً في هذا العالم" (النسخة الكورية الجديدة المنقحة). "من خلال هذا، تبلغ المحبة كمالها بيننا، مما يتيح لنا مواجهة يوم الدينونة بثقة؛ وذلك لأننا نحن أيضاً نصبح مثل يسوع في هذا العالم" (النسخة الكورية المعاصرة). أيها الأحباء، كيف يمكننا امتلاك الجرأة الكاملةالخالية تماماً من أي أثر للخوففي ذلك اليوم الرهيب والمهيب للدينونة الذي ينتظرنا بالتزامن مع النهاية الكونية لكل الأشياء؟ وبينما كنت أتأمل هذا السؤال بعمق في الصلاة والدراسة التفسيرية، تذكرت الوعد العظيم الوارد في رسالة يوحنا الأولى 2: 10، الذي سبق وتأملنا فيه: "مَنْ يُحِبُّ أَخَاهُ يَثْبُتُ فِي النُّورِ، وَلَيْسَ فِيهِ عِثْرَةٌ". فأي دلالة روحية تكمن في إعلان الرسول يوحنا بأنه "ليس فيه عثرة" (أي لا يوجد سبب للتعثر) داخل المؤمن؟ ولكي ندرك القيمة الحقيقية والأهمية الجوهرية لهذه العبارة بجميع أبعادها، يتعين علينا فحص ثلاثة نصوص محورية نسجها الرسول يوحنا ببراعة فائقة في إنجيل يوحنا. عندما نتأمل سياق هذا النص الإنجيلي، نكتشف ذلك الإطار المجيد الذي يوضح كيف أن الحياة المتحررة من العوائق، التي يتمتع بها من يحب أخاه، تقود مباشرةً إلى الجسارة والثقة في اليوم الأخير.

 

تتضح الأهمية الحقيقية لعبارة "لا عثرة فيه" الواردة في رسالة يوحنا الأولى (2: 10) حين ندرس ثلاثة نصوص جوهرية من إنجيل يوحنا: (1) "فَعَلِمَ يَسُوعُ فِي نَفْسِهِ أَنَّ تَلاَمِيذَهُ يَتَذَمَّرُونَ عَلَى هذَا، فَقَالَ لَهُمْ: أَهذَا يُعْثِرُكُمْ؟" (يوحنا 6: 61)؛ (2) "أَجَابَ يَسُوعُ: أَلَيْسَتْ سَاعَاتُ النَّهَارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ؟ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَمْشِي فِي النَّهَارِ لاَ يَعْثُرُ، لأَنَّهُ يُبْصِرُ نُورَ هذَا الْعَالَمِ" (يوحنا 11: 9)؛ و(3) "قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا لِكَيْ لاَ تَعْثُرُوا" (يوحنا 16: 1). ومن خلال الربط بين هذه النصوص التي كتبها المؤلف ذاته، ندرك أن المعنى الحقيقي لـ "عدم وجود عثرة" (أو غياب العوائق) يكمن في ألا يقع المرء في فخاخ الشيطان أو يسقط أثناء مسيرته الروحية. وبعبارة أخرى، إنه وعدٌ بأن المؤمن الذي يُخضِع مشاعره الأنانية ويحب أخاه محبةً صادقة، إنما يسكن في "النور الحقيقي" -الذي لا توجد فيه ظلمة البتة- وبذلك تزول أي عثرات قد تسبب السقوط، ويتمتع بأمان روحي يجعله بمنأى عن التعثر.

 

أيها الأحباء، هل يخلو قلبكم تماماً في هذه اللحظة من أي سبب للعثرة؟ هل تسيرون في طريق النصرة الراسخ يوماً بعد يوم، متحررين من أي عائق، من خلال السكنى الكاملة تحت سلطان يسوع المسيح -النور الحقيقي- ومحبة إخوتكم المؤمنين بمحبة متقدة؟ أم أنكم، رغم ادعائكم الظاهري بالسير في النور، واقعون في فخ ينصب لنفوسكم، وتتعثرون تعثراً مريراً بسبب الحسد والكراهية تجاه شخص قريب منكم؟ إذا تجاهلنا الكراهية والمرارة الكامنة فينا، وفشلنا في إدراك "الخشبة" الضخمة المستقرة في قلوبنا، فلن نملك ذرةً من الجسارة حين نقف أمام دينونة الله الصارمة عند "العرش الأبيض العظيم" (يوحنا الأولى 4: 17). ولكي نقف بثقة لا تشوبها خزي في ذلك اليوم الأخير للدينونة، يجب ألا نترك أي أثر للذنب أو العثرة في نفوسنا وضمائرنا. إن السبيل الوحيد للتحرر من العمى الروحي واكتساب هذه الجرأة هو طاعة الوصية الجديدةالتي خُتمت بدم الرب نفسه بأن نحب بعضنا بعضاً كما نحب أنفسنا. فنحن أولئك الذين "يعرفون ويؤمنون" شخصياً وبشكل كامل بمحبة الله العظيمة لنا (الآية 16). ولأن الله بادر بالسعي نحو أناس لا يستحقون مثَلنا وأحبنا محبةً غير مشروطة (الآية 19)، يتحتم علينامدفوعين بمحبة الصليب التي نلناها أن نحب إخوتنا وأخواتنا كما ينبغي.

 

إذا أعلنا بجرأة بألسنتنا: "أنا أحب الله فوق كل شيء"، بينما نبغض الأخ الماثل أمام أعيننا، فإن الكتاب المقدس ينزع عنا القناع ويوجه إلينا تهمة صارمة بأننا كاذبون (الآية 20). إن حياة من يتباهى بمعرفة الله معرفةً عميقةً، ولكنه في الوقت نفسه يدوس وصاياه ويعصاها، ليست سوى كذبة دينية؛ إذ لا تسكن فيها قطرة واحدة من حقيقة الحياة (2: 4). يجب ألا نكون مرائين نتحرك واضعين آراء الآخرين نصب أعيننا؛ بل ينبغي أن نكون مسيحيين حقيقيين ذوي قلوب نقية. فمن الصواب تماماً أن نخضع كلياً لوصايا الرب وأن نحب بعضنا بعضاً من خلال أفعالنا وبالحق. وعندما نتمم شريعة المحبة هذه، ستتلاشى وتذوب كل العوائق الكامنة في نفوسنا تماماً كالجليد (الآية 10). ولأن الضمير النقي لن يعود يوبخنا أو يلومنا من الداخل، سننال أخيراً ثقةً وجرأةً أمام الله الآب، الديان. وفي ظل تلك الشركة الشخصية الحميمة، سيُستجاب لكل ما نطلبه؛ إذ ستكون صلواتنا ثابتة ومقبولة بفرح لدى الآب (3: 21-22). ويعود ذلك إلى أننا نحفظ وصايا الله بحياتنا ذاتها ونمارس أعمال المحبة التي ترضيه. وحين نفعل ذلك، لن نواجه الخزي أبداً في صباح القيامة وموعد عودة الرب المجيدة؛ بل سنمضي - وقد تسربلنا بجرأة كاملة تحمل سمات الصليب - بثقة وكرامة نحو عرش الرب لنلاقيه، فيضع هو "إكليل الحياة" بين أيدينا (2: 28).

 

أود الآن أن أختتم هذا التأمل. أيها الأحباء، دعونا نحب بعضنا بعضاً بمحبة متقدة، متبعين شريعة الحياة التي أمرنا بها الرب. إن الكتاب المقدس يعلن بمهابة للكون بأسره أن "الله محبة" (4: 8، 16). وبما أن الله محبة في جوهره، فإذا كنا قد التقينا بهذا الإله المحب وعرفناه شخصياً - وإذا كنا نؤمن بصدق في قلوبنا بتلك المحبة الغامرة التي أكدها لنا - فعلينا إذن أن نحب بعضنا بعضاً كإخوة وأخوات. تذكروا مبدأ الإنجيل الذي تتبعناه: إن جوهر الله ذاته هو المحبة الكاملة. ومن ذلك الكيان الإلهي تدفق عمله المقدس؛ ألا وهو نعمة مبادرته بمحبتنا "أولاً"، رغم كثرة زلاتنا. لم نؤمن بيسوع المسيح مخلصاً لنا بفضل مؤهلاتنا أو استحقاقاتنا الذاتية، بل بقوة ذلك الحب وحده. لقد انتُشلنا من ظلال الخطيئة والموت ووُلدنا من جديد ككائنات جديدةأبناء مجيدين لله. ولذلك، وبصفتنا أبناء الله الأعزاء، ينبغي علينا أن نحب بعضنا بعضاً بذلك الحب السماوي الذي يمنحه هو، تماماً كما أحبنارغم أننا لم نكن مستحقين لذلك. وعلاوة على ذلك، يشهد الكتاب المقدس بأفعال ملموسة على أن "الله قد أظهر محبته لنا" (الآيتان 9-10).

 

لم يحصر الله محبته في نظريات مجردة أو مجرد مشاعر؛ بل بذل بسخاء ابنه الوحيد، يسوع المسيح، في قلب التاريخليكون ذبيحة كفارية على الصليب القاسي ومخلّصاً وحيداً للعالم. وبفعله هذا، كفّر تماماً عن كل خطايانا الشنيعة، وأنقذنا من عقوبة اليأس، وبثّ الحياة الأبدية في نفوسنا التي كانت باردة وميتة. ومن خلال نعمة الكفارة هذهالتي تحققت بثمن باهظ من الدموعأصبحنا أخيراً خليقة جديدة ونلنا هبة حياة سماوية جديدة لا تفنى: الحياة الأبدية. وبعد اختبار نعمة الخلاص العظيمة هذه والمحبة التي لا حدود لها، يتحتم على المؤمنين أن يتواضعوا أمام وصية الرب الجديدة وأن يبنوا مذابح للمحبة فيما بينهم. إذ يعلن الكتاب المقدس بوضوح وتأكيد: "أيها الأحباء، إن كان الله قد أحبنا هكذا، فينبغي علينا نحن أيضاً أن يحب بعضنا بعضاً" (11، 19). واستناداً إلى هذه المحبة المقدسة والفادية، ينقش الرسول يوحنا بوضوح في قلوبنا خمس ركائز روحية تحدد كيفية ممارستنا للمحبة في حياتنا اليومية:

 

أولاً، يجب أن نتذكر أن بداية ومصدر كل محبة حقيقية يكمنان في الله وحده، وأن نعترف بأن المحبة، بطبيعتها الجوهرية، تنتمي إلى الله (4: 7أ).

 

ثانياً، إن محبة المؤمنين الآخرين كنفس المرء هي الدليل الأكيد على الولادة الجديدةوهي تؤكد أن الإنسان قد وُلد ثانية من الروح القدس وأنه يعرف الله حقاً (4: 7ب).

 

ثالثاً، إن الادعاء بمحبة الله غير المرئي مع الفشل في احتضان الإخوة والأخوات المرئيين يُعد شكلاً دنيئاً من أشكال النفاق الروحي وكذباً يهدف إلى خداع الله (4: 20). رابعاً، حين نطرح الأنانية جانباً ونحب بعضنا بعضاً محبةً صادقةً وعميقةً، يحلّ الله القدير غير المنظور في وسط جماعتنا، وتكتمل محبته فينا (4: 12).

 

خامساً، عندما تبلغ هذه المحبة كمالها فينا، ننال جرأةً تامةً -خاليةً من أي أثر للخوف- حتى ونحن نواجه دينونة "العرش الأبيض العظيم" المهيبة في اليوم الأخير (4: 17). أيها الأحباء في كنيسة "فيكتوري" المشيخية، دعونا لا نسلك بعدُ في طريق الظلمة -طريق قايين- حيث نبغض إخوتنا بينما نظل أسرى لجراح ذواتنا القديمة ومشاعرها الأنانية. ولنخضع -بقوة الروح القدس، روح الحق الساكن فينا- لتلك الوصية العظمى التي خطّها الرب بدمه. إني أصلي بحرارة باسم الرب لكي تصيروا أبناءً حقيقيين ومقدسين لله؛ تحبون بعضكم بعضاً محبةً صادقةً، لا بالكلام أو اللسان فحسب، بل بالعمل والحق، طارحين كل عائق عن نفوسكم، ومدركين كمال حضور الله المثلث الأقانيم في داخلكم، وواقفين بجرأة ومجد أمام وجه الرب في صباح مجيئه الثاني ويوم الدينونة.


댓글