الخاتمة
لقد
سبرنا أغوار ذلك المَعين
الروحي الفسيح في رسالة
يوحنا الأولى؛ ذلك الكنز
الذي كشف عنه الرسول
يوحنا عبر الدموع والصلاة.
وبينما نختتم هذه الرسالة،
فلنركع بخشوع أمام "الخلاصة
العظمى للاهوت يوحنا"؛
تلك الحقيقة التي
يجب أن تُنقش
إلى الأبد في
أعمق أعماق نفوسنا، كـ
"تابوت العهد" الذي لا يزول
أثره.
(1) محبة
الثالوث الفائقة التي تأكدت
عند الصليب
يعلن
الكتاب المقدس للكون بأسره
وللتاريخ كله، بلا مواربة:
"الله، في جوهره،
هو محبة كاملة"
(1 يوحنا 4: 8، 16). لقد بذل
الله الآب -دون إمساك-
ابنه الوحيد الأغلى، يسوع
المسيح، ليكون المخلِّص الوحيد
وذبيحة الكفارة لهذا العالم
الملعون؛ وذلك كله سعياً
وراءنا لمنحنا الحياة (نحن
الذين استحققنا موتاً بائساً
بسبب علاقتنا المنهارة تماماً
مع الله)،
ولتطهيرنا والكفارة عن خطايانا
الشنيعة (الآيات 9-10، 14). وهنا، لا
بد أن نشعر
برعشة تهز الوجدان ونحن
نواجه أعظم مفارقات الإنجيل
وأكثرها غموضاً وإعجازاً. كيف
يمكن ليسوع المسيح -كلمة
الحياة والإله الحق الكائن
منذ الأزل، قبل
خلق الزمان والمكان
(1: 1-3؛ 5: 20)- أن يأتي
إلى هذه الأرض
متسربلاً بجسد مخلوقٍ بائس
(4: 2)، وأن يبذل طوعاً
حياته الكريمة ليموت على
الصليب؟ (2: 2؛ 3: 16). لقد صعد
يسوع المسيح -القدوس البار،
الخالي من أي
دنس للخطية (2: 1؛
3: 5)- إلى مذبح الجلجثة ليمحو
دينونة الهلاك عنا، وصار
بشخصه الذبيحة الأبدية، أي
حمل الفصح الحقيقي.
ومن خلال سفك
الماء والدم بلا تحفظ
من قلبه المطعون،
حمل الرب في
جسده غضب الله القدوس
-الذي لا يمكنه
التغاضي عن الخطية-
وأوفى تماماً بمطالب العدالة
الإلهية، مكفراً بذلك عن
كل خطايانا (2: 2؛
4: 10). إنها حقيقة محبة عظيمة
وواسعة بلا حدود -تفوق
أي تسلسل هرمي
أو سردية بشرية-
سكبها الآب والابن في
صميم التاريخ (3: 1). (2) ختم الروح القدس
وقوة الحياة الأبدية الساكنة
فينا
مدفوعاً
بنعمة الكفارة المؤثرة هذه،
لم يتركنا الرب
يتامى روحياً؛ بل منحنا
عطية الروح القدس —المُعزّي
وروح الله الأثمن— ليسكن في أعماق
نفوسنا (4: 3، 13). والسبب الوحيد
الذي مكّننا من الإيمان
بابن الله والارتباط بحبل
الحياة الأبدية هو أن
نفوسنا قد وُلِدَت
ثانيةً حقاً بفعل الروح
القدس وسيادته (5: 1، 4). ولأن الروح
القدس فتح أعيننا التي
كانت مغلقة يوماً ما،
فقد صرنا نثق
ونعترف —بيقين راسخ كالصخر
ودون أدنى ذرة شك— بأن يسوع الناصري هو
المسيح وملكنا (الآية 1)،
وابن الله الحي (الآية
5)، والإله الحق
القائم بذاته والحياة الأبدية
ذاتها (1: 1-2؛ 5: 20). إن كل
من يقرّ بقطعية
هذا الإنجيل المجيد
بلسانه وبحياته (4: 2-3، 15) يختبر تحولاً
مذهلاً في هويته،
حيث تتغير جنسية
كيانه بالكامل. وكما تشهد
ترجمة "الكتاب المقدس المعاصر"
(Contemporary Bible) بأسلوب
مؤثر، فإننا بصيرورتنا أبناءً
مجيدين لله، نتمتع الآن
بمجد "السكنى المتبادلة" الغامضة؛
حيث نحيا في
الله، ويسكن الله القدوس
فعلياً في داخلنا
(4: 13). ومن ثم، فإن الروح
القدس —روح الحق الساكن
فينا كما في هيكل
(3: 24)— يقودنا (نحن الذين ننتمي
لله ونعرف الآب
الحقيقي معرفة شخصية) ويوجهنا
بفاعلية وحيوية في حياة
القداسة (4: 6).
(أ) أولاً،
يجذبنا الروح القدس إلى
"شركة محبة حميمة" نتشارك
فيها مع الإله
المثلث الأقانيم في أنفاس
الحياة ذاتها وفي واقع
اللحظة الحاضرة (1: 3).
(ب) ثانياً،
يدفعنا الروح لننزع عنا
أثواب التظاهر الزائف، ولنعيش
"حقيقة الإنجيل من خلال
أفعال ملموسة" في كل
لحظة من لحظات
حياتنا اليومية (الآية 6). (ج)
ثالثاً، إنه يُمكّننا من
دفن الأعشاب الضارة
السامة المتمثلة في الحسد
المتمحور حول الذات والاستياء
عند الصليب، ومن
الطاعة الطوعية لشريعة الملك
العليا؛ ألا وهي الوصية
المزدوجة بـ "أن نحب
بعضنا بعضاً ب fervour (حرارة
ومحبة عميقة)" (3: 11، 23-24؛ 4: 7؛
5: 1-2).
إن
محبة المواطن السماوي، المُسترشدة
بالروح القدس، ليست واجهة
زائفة تقتصر على مجرد
كلمات وأحاديث فارغة؛ بل
هي عملٌ قويٌ
يحتضن رفاق الإيمان من
خلال أفعال ملموسة وإخلاص
القلب (3: 18). وعلاوة على ذلك،
فإن اتباع الخطوات
الطاهرة ليسوع المسيح -الذي
بذل حياته لأجلنا-
يمثل ذروة المحبة الفائقة
للطبيعة؛ إذ يدفعنا
ذلك إلى تنحية
مصالحنا وراحتنا الشخصية جانباً،
بل وحتى بذل
حياتنا طواعيةً من أجل
إخوتنا وأخواتنا (الآية 16). (3) خمسة
أسلحة لليقين المطلق الذي
يغلب العالم
يطبع
الله -الروح القدس- حقيقة
هذه الحياة الأبدية
في داخلنا، ويحرس
"يقين الخلاص" الراسخ والمشرق (1 يوحنا
5: 13). وفضلاً عن ذلك،
فهو يُحطّم الخداع
الذي يطرح مطالب رغباتنا
الجسدية، موجّهاً مسار صلواتنا
لتتوافق حصراً مع مشيئة
الله المرضية؛ إنه يمنحنا
"اليقين العظيم باستجابة الصلاة"؛ أي
اليقين بالنصر الكامل حيث
لا تسقط كلمة
واحدة هباءً (الآية 14). وهكذا،
يقودنا لنصبح جنوداً يستأصلون
بشجاعة الرغبات الدنيوية -التي
ستتلاشى في لحظة
كالدخان عند عودة الرب-
ويعيشون بفرح وفقاً لمشيئة
الله المقدسة والأبدية وحدها
(2: 17). وعلى وجه الخصوص، يزوّدنا
الروح القدس -روح الحق-
بـ "يقين التمييز الروحي"
القوي، مما يُمكّننا من
رصد وفهم كل
الاستفزازات الزائفة الشبيهة بروح
ضد المسيح، والأرواح
الخادعة التي تسعى لإفساد
الحق والتشويش عليه تحت
أقنعة "روح العصر" أو
"الاحترام المتبادل" (2: 18، 22، 26؛
4: 1، 6). لا نتزعزع
أمام أي إنجيل
زائف يهمس به الشيطان
متخفياً وراء قناع الثقافة
أو الأيديولوجيا؛ فكلمة
الله القوية المانحة للحياة
—الساكنة في قلوبنا— تثبّتنا بقوة سلطانه المطلق
(2: 14). وإذ نرفع ترس الإيمان
الحي النابض الذي يقر
بأن يسوع هو
ابن الله، نعلن
انتصاراً عظيماً؛ ومن خلال
الانضباط في الصلاة
الليلية، نسحق تماماً فخاخ
العالم الثلاثية الزائلة: شهوة
الجسد، وشهوة العيون، وتعظم
المعيشة (2: 16-17؛ 5: 4). ولنكن على
يقين تام بأن خلاص
نفوسنا في مأمن
لا يجرؤ الشيطان
الشرس وقوات الهواء على
المساس به ولو
بإصبع؛ ليس استناداً إلى
استحقاقنا الذاتي، بل لأن
يسوع المسيح —ملك القيامة— يسهر على الكنيسة بعينين
كاللهيب المتقد ويحرسها بحماية
منيعة (5: 18).
(4) رجاءٌ
للمستقبل وجرأةٌ ليوم الدينونة
لنتأمل
بوضوح ذلك الرجاء المؤثر
في المستقبل —رجاء
التمجيد— الذي تعلنه "النسخة الكورية المعاصرة"
من الكتاب المقدس
لقلوبنا كقرع مهيب لأجراس
سماوية: "لا نعلم
بعد ما سنكون
عليه، ولكن عندما يظهر
يسوع، سنكون مثله ونراه
على حقيقته. وكل
من يحمل هذا
الرجاء في المسيح
يجب أن يحفظ
نفسه طاهراً، تماماً كما
أن يسوع طاهر"
(1 يوحنا 3: 2-3، النسخة
الكورية المعاصرة). نحن الذين تحررنا
بالفعل، إذ متنا
تماماً عن الخطية
في الماضي؛ وفي
الوقت نفسه، نحن منتصرون
وممجّدون، مقدّر لنا أن
نتحول في طرفة
عين إلى أجساد
روحية في صباح
عودة الرب (فيلبي 3: 21؛
1 كورنثوس 15: 51). وانطلاقاً من هذا
الأساس الراسخ الذي يجمع
بين الماضي والمستقبل،
يتحتم علينا —في واقعنا
الحاضر— أن ندفن يومياً عند
الصليب ذلك العناد الفاسد
المتأصل في "إنساننا العتيق"، وأن
نكمل سباق القداسة بحفظ
أنفسنا طاهرين، كما أن
يسوع طاهر. فلننزع أقنعة
النفاق المتمثلة في مجرد
الكلمات والثرثرة الفارغة، ولنحب
إخوتنا بصدق وحرارة من
خلال أفعالنا وبالحق. وهكذا،
حينما يُسحق تماماً ذلك
الشعور القاسي بالإدانة في
داخلنا وتُبطل اتهامات الشيطان،
وتصل قلوبنا وضمائرنا إلى
حالة من النقاء
الخالي من اللوم،
سنقف أمام الله الآب
—ديّان الكون— متمتعين بجرأة سماوية مقدسة
وكاملة، دون أن نتراجع
قيد أنملة (1 يوحنا
3: 21).
أيها
الأحباء أعضاء كنيسة "فيكتوري"
المشيخية (Victory
Presbyterian Church)، بينما نركع للصلاة
ونرفع عالياً سيف الكلمة
لنتمسك بالوصية المزدوجة التي
خطّها الرب بدمه، ستتحقق
محبة الله (الأغابي - المحبة
الباذلة) بالكامل في قلوبنا.
وحينئذ، في ذلك
الصباح المهيب في نهاية
التاريخ —حين نقف أمام
كرسي دينونة الكون بينما
ينهار العالم غير المؤمن
وسط صرخات الرعب— سننهض واثقين، مستمدين القوة
من سلام يسوع
الذي غلب العالم، وممتلئين
بجرأة الخلاص الكامل (1 يوحنا
4: 17). فلنطرح عنا كل شعور
بالإحباط أو التراخي.
ولنظل مرتبطين ارتباطاً وثيقاً
—كحبل الحياة السري— بيسوع المسيح، الإله الحق
والحياة الأبدية، ولنبرهن للعالم
أجمع أننا نملك الحياة
الأبدية حقاً من خلال
محبة إخوتنا المؤمنين بكل
ما أوتينا من
قوة، يوماً بعد يوم.
وهكذا، في ذلك
الصباح المقدس للمجيء الثاني
—حين يعود ربنا يسوع
المسيح، ملك الملوك، في
مجده— ليتنا جميعاً، كجنود مقدسين
في كنيسة "فيكتوري"
المشيخية، نقف أمام عرش
الرب بلا ذرة خجل،
وننال ثناءه وأكاليله، وننشد
تسابيح الغبطة الأبدية إلى
الأبد. أصلي بصدق من
أجل هذا كله
باسم مخلصنا يسوع المسيح،
الذي غلب العالم ومنحنا
الحياة الأبدية. آمين.
댓글
댓글 쓰기