مواقف تتكرر في حياتنا
"تَذَكَّرْتُ أَيَّاماً قَدِيمَةً. لَهِجْتُ بِكُلِّ أَعْمَالِكَ. بِصَنَائِعِ يَدَيْكَ أَتَأَمَّلُ" (مزمور 143: 5).
لماذا
تتكرر مواقف متشابهة في
حياتنا؟ إننا نشعر بيقين
أننا واجهنا موقفاً كهذا
من قبل، ومع
ذلك نجد أنفسنا
نواجهه مجدداً. بالطبع، إذا
كان الموقف صعباً
ومؤلماً، فقد نكون غارقين
في المشاعر لدرجة
تمنعنا من إدراك
أننا واجهناه سابقاً. ولكن،
إذا تمالكنا أنفسنا
وتأملنا الموقف بهدوء وموضوعية،
يمكننا أن نتذكر
أننا مررنا بوضع مشابه
في الماضي. فكيف
إذن ينبغي أن
ننظر إلى هذه المواقف
المتكررة؟ هل نكتفي
باعتبارها مجرد صدف؟ إنها
بالتأكيد ليست صدفاً؛ إذ
لا يمكن أن
تكون كذلك. ففي ظل
تدبير الله وسلطانه، لا
وجود لما يسمى بالصدفة.
ثمة غاية واضحة
وراء تدبير الله السيادي
في تكرار مواقف
متشابهة في حياتنا.
فما هي تلك
الغاية إذن؟
أولاً،
يعيد الله تكرار مواقف
متشابهة في حياتنا
لكي نتأمل في
أعمال خلاصه السابقة، ونتوق
إليه من خلال
ذلك.
في
المزمور 143: 5، نرى
داود -وسط موقف عصيب
حيث كانت حياته
مهددة بسبب اضطهاد أبشالوم
له- يتذكر الماضي
ويتأمل في "كل" ما
صنعه الرب. وفي خضم
ذلك، لا شك
أنه تأمل في
نعمة الخلاص التي أظهرها
الله له حين
نُجّي سابقاً من اضطهاد
الملك شاول؛ وهو السياق
ذاته الذي كُتب فيه
المزمور 142. وأحد الأسباب التي
تجعلني أعتقد ذلك هو
وجود تشابه لافت بين
الحدثين؛ إذ يخبرنا
الكتاب المقدس أن روح
داود كانت منسحقة ومثقلة
بالهموم -سواء في فترة
اضطهاد الملك شاول له
(المزمور 142) أو لاحقاً،
حين واجه اضطهاد
أبشالوم بعد أن ارتكب
خطيئته وهو ملك (المزمور
143: 4). لماذا تكررت مثل هذه
المواقف المتشابهة في حياة
داود؟ السبب هو أن
الله أراد من داود
أن يتذكر -ويتأمل
في- تاريخ نجاته
من الملك شاول.
وهكذا، قاده الله إلى
التوق بشدة إلى نعمته
المُخلِّصة حتى في خضم
الاضطهاد الذي مارسه أبشالوم،
وهو السياق الذي
يُمثِّل خلفية نص اليوم:
المزمور 143. فكان أن "بسط
داود يديه نحو الله"
و"عطشت نفسه إليه
كأرضٍ قاحلة" (الآية 6). وفي هذا
الموقف الملحّ، توسّل إلى
الله كي يستجيب
لصلاته سريعاً (الآية 7).
ثانياً،
يسمح الله بتكرار مواقف
مشابهة في حياتنا
لكشف خطايانا، وقيادتنا إلى
التوبة، وحثّنا على العمل
بمشيئة الرب من جديد.
ورغم
أن داود وجد
نفسه في مواقف
مشابهة في كل
من المزمور 142 والمزمور
143، إلا أن هناك
فرقاً جوهرياً؛ فالاضطهاد الذي
واجهه من الملك
شاول (المزمور 142) لم يكن
نتيجة لأي خطيئة ارتكبها
داود، بل على
العكس، كان نابعاً من
غيرة الملك شاول -التي
أثارتها هتافات النساء- بعد
أن هزم داود
جليات باسم الرب، مُنجِزاً
بذلك عمل الله. وفي
المقابل، يعكس نص اليوم
(المزمور 143) الاضطهاد الذي واجهه
داود من ابنه
أبشالوم، والذي كان نتيجة
للخطيئة التي ارتكبها بانتهاك
حرمة بثشبع والتسبب عمداً
في مقتل زوجها،
الجندي المخلص أوريا، في
محاولة للتستر على جريمته.
ولذا، نجد داود في
الآيتين 8 و10 من المزمور
143 يُعبِّر عن رغبته
في أن يتلقى
الإرشاد من كلمة
الله وأن يعمل بمشيئة
الرب. إن رؤية
داود وهو يبتعد عن
الخطيئة التي ارتكبها بدافع
رغباته الشخصية، ويسعى الآن
للعمل بمشيئة الرب، ذكّرتني
بقصة بطرس الواردة في
إنجيل يوحنا (الإصحاح 21،
الآية 9 وما يليها). ففي
تلك الرواية، وبعد
قيامة يسوع من بين
الأموات وظهوره لتلاميذه عند
بحر طبرية، سأل
يسوعُ بطرسَ ثلاث مرات:
"يا سمعان بن يونا،
أتحبني (أكثر من هؤلاء)؟" (الآيات 15 و16
و17). ويحمل ذلك الموقف
تشابهاً لافتاً مع الحادثة
التي أنكر فيها بطرس
يسوع ثلاث مرات. يمكننا
ملاحظة هذا التشابه نظراً
لوجود "نار" (وتحديداً نار من
الجمر) في كلتا
الحالتين: عندما أنكر بطرس
يسوع ثلاث مرات، وعندما
سأله يسوع المقام ثلاث
مرات: "أتحبني؟". هل تتذكر
ذلك؟ ففيما يتعلق بلحظة
إنكار بطرس ليسوع ثلاث
مرات، يذكر لوقا في
إنجيله (22: 55): "لَمَّا أَضْرَمُوا نَارًا
فِي وَسَطِ الدَّارِ
وَجَلَسُوا مَعًا، جَلَسَ بُطْرُسُ
بَيْنَهُمْ". ولا شك أن
بطرس قد استعاد
في ذاكرته خطيئته
السابقة —أي إنكاره
ليسوع بينما كان يجلس
بجوار النار— حينما أشعل يسوع المقام
لاحقاً ناراً من الجمر،
ووضع عليها سمكاً وخبزاً،
وسأله ثلاث مرات: "أتحبني؟"
(يوحنا 21: 9). وفي نهاية المطاف،
ومن خلال إعادة
تهيئة ذلك المشهد الماضي،
سعى يسوع إلى
تحرير بطرس من شعوره
بالذنب وتكليفه بمهمة تحقيق
مشيئة الرب. يا لها
من محبة وعناية
إلهية مذهلة!
عندما
تتكرر مواقف مشابهة في
حياتنا، فلنأخذ لحظة للتأمل
الهادئ أمام الله. وإذا
ذكّرنا الروح القدس بتجربة
ماضية مماثلة، فلنتذكر ونتأمل
في عمل الخلاص
الذي أجراه الله في
ذلك الموقف. وفي
خضم ذلك، لننظر
إلى إله الخلاص
فيما يخص وضعنا الحالي
ولنرفع إليه طلباتنا. وبينما
نتأمل في نعمة
الخلاص التي اختبرناها سابقاً،
فلنتقدم بجرأة إلى إله
الخلاص بصلواتنا، متمسكين بيقين
الخلاص الذي يمنحه الروح
القدس الساكن فينا. وعلاوة
على ذلك، إذا
كشف لنا الروح
القدس عن أي
خطايا لم نعترف
بها خلال وقت
التأمل هذا، فلنعتمد على
دم يسوع المسيح
الثمين للاعتراف بخطايانا أمام
الله القدوس، ولنتُب أمام
الإله الغني بالرحمة والنعمة
والمحبة. لنطرح مشيئتنا الخاصة
عند أقدام الصليب
ونكرس أنفسنا لعمل مشيئة
الرب؛ وحين نفعل ذلك،
فإنه سيحقق مقاصده من
خلال المواقف التي يوجهها
في حياتنا، وسينال
المجد لنفسه وحده.
댓글
댓글 쓰기