قدِّم العزاء من خلال الكلمات!
«...فَجَمَعَ الشَّعْبَ فِي السَّاحَةِ الْمَفْتُوحَةِ عِنْدَ بَوَّابَةِ الْمَدِينَةِ، وَخَاطَبَهُمْ بِكَلِمَاتِ تَشْجِيعٍ قَائِلاً: ‹كُونُوا أَقْوِيَاءَ وَشُجْعَانًا. لاَ تَخَافُوا وَلاَ تَرْتَعِبُوا مِنْ مَلِكِ أَشُّورَ وَالْجَيْشِ الْجَرَّارِ الَّذِي مَعَهُ، لأَنَّ مَعَنَا قُوَّةً أَعْظَمَ مِنَ الَّتِي مَعَهُ. مَعَهُ ذِرَاعُ بَشَرٍ فَقَطْ، أَمَّا مَعَنَا فَالرَّبُّ إِلهُنَا لِيُعِينَنَا وَيُحَارِبَ مَعَارِكَنَا›. فَاسْتَمَدَّ الشَّعْبُ الثِّقَةَ مِمَّا قَالَهُ حَزَقِيَّا مَلِكُ يَهُوذَا» (أخبار الأيام الثاني 32: 6-8).
منذ
فترة، وبينما كنت أقرأ
الفصلين الأول والثاني من
«سفر أيوب»، نلتُ
قدراً عظيماً من العزاء.
كانت الفقرة الأولى التي
استوقفتني وأثارت فيَّ التأمل
هي ما ورد
في سفر أيوب
1: 5؛ إذ لم
يسعني إلا أن أُبدي
دهشةً حقيقيةً إزاء ذلك
المشهد الذي يصف أيوب
وهو ينهض مبكراً
في الصباح ليُقدِّم
ذبائح مُحْرقةً لله—ذبيحةً عن كل
واحدٍ من أبنائه—تحسُّباً لاحتمال أن
يكونوا قد «أخطأوا وجدَّفوا
على الله في
قلوبهم». فكيف يمكن لأي
والدٍ أن يطَّلع
على خفايا قلوب
أبنائه وما يدور في
أعماقها؟ وبوجهٍ خاص، كيف
للمرء أن يدرك
ما إذا كان
الابن يرتكب خطيئةً ضد
الله في سريرة
قلبه؟ ومع ذلك، وعلى
النقيض من أيوب—الذي تصرَّف بدافعِ
القلق من أن
يكون أبناؤه قد أخطأوا
إلى الله في
قلوبهم—فإنني، بصفتي أباً،
لم يسبق لي
قط أن قدَّمتُ
صلواتِ توبةٍ نيابةً عن
أبنائي خلال خلواتي الصباحية
للصلاة. أما النقطة الثانية
التي استوقفتني، فكانت تلك العبارة
الواردة في سفر
أيوب 1: 20: فبعد أن تلقَّى
أنباءَ جميع المصائب التي
حلَّت به، «خَرَّ عَلَى
الأَرْضِ سَاجِدًا». كيف يتسنى لأيوب
أن يخرَّ على
الأرض ساجداً لله بعد
أن فقد كل
شيء—حتى جميع أبنائه؟
وعلاوةً على ذلك، وبينما
كنت أقرأ ما
ورد في سفر
أيوب 1: 22 و2: 10، لم
يسعني إلا أن أقف
مذهولاً أمام تلك الحقيقة
التي ينصُّ عليها النصُّ
صراحةً بقوله: «فِي كُلِّ
هَذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ
بِشَفَتَيْهِ». فمن منظورٍ بشريٍّ
بحت، قد يبدو
الأمر مفهوماً تماماً—بل ومبرَّراً—أن يُضمر
المرءُ في نفسه
شعوراً بالاستياء أو التذمر
تجاه الله؛ ومع ذلك،
فإن أيوب لم
يُخطئ بشفتيه. بينما كنت
أتأمل في الكيفية
التي يمكننا بها تقديم
العزاء لشخص يرزح تحت
وطأة معاناة شديدة كهذه،
رنّت في أعماقي
كلمات سفر أيوب (2: 13) بأبلغ
صدى: "فَجَلَسُوا مَعَهُ عَلَى الأَرْضِ
سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَسَبْعَ لَيَالٍ،
وَلَمْ يُكَلِّمْهُ أَحَدٌ كَلِمَةً، لأَنَّهُمْ
رَأَوْا أَنَّ كَرْبَهُ كَانَ
عَظِيمًا جِدًّا". وتوقفتُ متأملاً في
حقيقة أنهم، ورغم بقائهم
بجانبه لأسبوع كامل، لم
ينبسوا بكلمة واحدة. وتساءلتُ:
هل كان اختيار
أصدقاء أيوب البقاء في
صمتٍ تضامني، بدلاً من
تقديم أي عزاءٍ
لفظي، نابعاً بالتحديد من
شهادتهم للمدى الهائل لآلام
أيوب وعذابه؟
واستحضرتُ
موقفاً سابقاً، حين كنتُ
أعظ بكلمة الله،
واستخدمتُ عبارة: "رفضُ التعزية". فهناك
لحظاتٌ تكون فيها قلوبنا
منكسرةً للغاية، ونكون غارقين
في آلامٍ مبرحة،
لدرجة أننا نرفض ببساطة
تقبّل أي عزاء.
إننا نمرّ بأوقاتٍ تشعر
فيها قلوبنا بأنها عصيّةٌ
تماماً على التعزية؛ لحظاتٌ
لا تبدو فيها
أي كلماتٍ، من
أي شخصٍ كان،
قادرةً على بثّ أي
سكينةٍ في نفوسنا.
ومع ذلك، وفي
فقرة الكتاب المقدس المخصصة
لهذا اليوم —سفر أخبار
الأيام الثاني (32: 6-8)— لفتت انتباهي العبارة
الأخيرة من الآية
السادسة، حيث قام الملك
حزقيا بـ: "جَمَعَ الشَّعْبَ
وَشَجَّعَهُمْ بِكَلاَمِهِ". وانطلاقاً من هذا
المحور —الذي عنونتُه بـ:
"قدّم العزاء بالكلمات!"— تأملتُ
في نقطتين محددتين:
أولاً:
متى، بالتحديد، نُدعى لتقديم
العزاء من خلال
كلماتنا؟
إن
اللحظة التي اختار فيها
الملك حزقيا تشجيع شعبه
بالكلمات قد حانت
بالتحديد "بَعْدَ كُلِّ أَعْمَالِ
الأَمَانَةِ هَذِهِ" (أخبار الأيام الثاني
32: 1). وبعبارةٍ أخرى، قدّم الملك
حزقيا تشجيعاً لفظياً لشعبه
في خضمّ أزمةٍ
ما؛ وهي تجربةٌ
عصيبةٌ حلّت بهم *بعد*
أن كانت الإصلاحات
الدينية —المفصّلة في الإصحاحين
30 و31 من سفر
أخبار الأيام الثاني— قد ترسّخت وتوطّدت أركانها.
وتحديداً، حدث ذلك حين
غزا سنحاريب، ملك
أشور، مملكة يهوذا. تُرى،
لماذا اختار *تلك* اللحظة
بعينها، دوناً عن سائر
الأوقات؟ لقد كان الملك
حزقيا —خادم الرب الأمين— قد أرسى دعائم إصلاحٍ
دينيٍ راسخٍ إجلالاً لمجد
الله؛ فلماذا إذن حلّت
تلك التجارب القاسية
بالتحديد *بعد* أن اكتملت
مسيرة هذا الإصلاح؟ من
أحد الجوانب، قد
يكون الله قد أقام
أمةً أجنبيةً ليختبر ما
إذا كان الإصلاح
الديني قد ترسخ
حقاً على أساسٍ متين.
ومن الحقائق التي
لا تقبل الجدل
أنه في حياتنا
نحن أيضاً، تمر
بنا أوقات نكون
فيها في أمسّ
الحاجة إلى كلمات العزاء
والمواساة. ورغم أن الظروف
المحددة قد تتفاوت،
إلا أن التأمل
في النص الكتابي
لهذا اليوم يوحي بأننا
نكون في أشد
الحاجة إلى العزاء خلال
تلك الأزمات أو
المحن التي تباغتنا في
اللحظة التي يكون فيها
أمرٌ ما بصدد
الترسخ والاستقرار. بل ويخطر
ببالي أن الأزمات
والمحن ذاتها التي نواجهها
قد تكون في
الواقع دليلاً على أن
أمراً ذا شأنٍ
عظيمٍ هو بصدد
الترسخ والقيام فعلاً.
ثانياً—وأخيراً—كيف ينبغي لنا
إذن أن نقدم
العزاء من خلال
كلماتنا؟
댓글
댓글 쓰기