لسانٌ كقلمِ كاتبٍ ماهر
"فَاضَ قَلْبِي بِكَلاَمٍ صَالِحٍ. أَتَكَلَّمُ بِأَعْمَالِي عَنِ الْمَلِكِ. لِسَانِي قَلَمُ كَاتِبٍ مَاهِرٍ" (مزمور 45: 1).
تُعَلَّقُ
على جدار غرفة
معيشتنا لوحةٌ كبيرةٌ ومؤطرةٌ
تحملُ فنَّ الخطِّ؛ وهي
تعرضُ أربعةَ رموزٍ صينيةٍ
تُقرأُ
"Gido-manneung" (أي:
"الصلاةُ قادرةٌ على فعلِ
كلِّ شيءٍ"). بالطبع، لا أنا
ولا زوجي نجيدُ
قراءةَ الرموزِ الصينيةِ، بل
عرفنا معنى العبارةِ من
أحدِ الشيوخِ (أو القادةِ
الروحيين). لقد تلقينا هذه
اللوحةَ كهديةِ زفافٍ من
قسٍّ كان صديقاً لوالدي،
وهو يخدمُ كمرسلٍ
روحيٍّ بين البحارةِ في
كندا. لا أزالُ
أذكرُ مرةً زارَ فيها
كنيستنا للوعظِ واستخدمَ مثالاً
توضيحياً لشرحِ أهميةِ طاعةِ
كلمةِ اللهِ؛ فقد شبّهَ
الأمرَ بقيادةِ السيارةِ: فالانتقالُ
إلى الوضعِ "D" يُحرِّكُ
السيارةَ للأمامِ، والوضعُ "R" يُحرِّكُها
للخلفِ، والوضعُ "P" يُثبِّتُها في مكانِ
الوقوفِ. وبالمثلِ، أوضحَ أنَّه
عندما يأمرُنا اللهُ بالتقدمِ
للأمامِ، يجبُ أن نتقدمَ؛
وعندما يأمرُنا بالرجوعِ، يجبُ
أن نرجعَ؛ وعندما
يأمرُنا بالتوقفِ، يجبُ أن
نثبتَ في مكانِنا.
أؤمنُ بأنَّ هذه رسالةٌ
ثمينةٌ للغايةِ؛ فعندما يأمرُنا
اللهُ بالتقدمِ، نتقدمُ بإيمانٍ،
وعندما يطلبُ منا النظرَ
إلى الوراء، نتأملُ
في النعمةِ التي
أغدقَها علينا، وعندما يأمرُنا
بأن نثبتَ ونعلمَ
أنَّه هو اللهُ،
نتوقفُ ونختبرُ سيادتَه في
هدوءٍ. وبينما أتأملُ هذا
الصباحَ في تلك
اللوحةِ التي تحملُ عبارةَ
"الصلاةُ قادرةٌ على كلِّ
شيءٍ" -والتي كُتبتْ بكلِّ
صدقٍ وإخلاصٍ على يدِ
ذلك المرسلِ الذي
شاركَنا كلماتٍ ثمينةً كهذه-
أتيقنُ تماماً أنَّه قدَّمَ
هذه الهديةَ لي
ولزوجي لأنَّه يؤمنُ حقاً
بقدرةِ الصلاةِ المطلقةِ ويعيشُ
هو نفسُه حياةَ
الصلاةِ.
انظرْ
إلى النصفِ الثاني
من الآيةِ الأولى
في المزمورِ الخامسِ
والأربعين: "...لِسَانِي قَلَمُ كَاتِبٍ
مَاهِرٍ". وعند التأملِ في
هذه الآيةِ، تذكرتُ
لوحةَ ذلك المرسلِ؛ وأدركتُ
أنَّه على الرغمِ من
أهميةِ الكلماتِ ذاتِها، إلا
أنَّ قناعةَ الكاتبِ بقوةِ
الصلاةِ وحياتَه المكرسةَ للصلاةِ
تُعدُّ أمراً أكثرَ أهميةً.
بعبارةٍ أخرى، إنَّ قلبَ
الشخصِ الذي خطَّ تلك
الكلماتِ يهمُّ أكثرَ من
اللوحةِ ذاتِها. وبالمثل، ففي
حين أن ألسنتنا
—التي شُبِّهت بقلم كاتب
ماهر— مهمة، إلا أن القلب
الذي يوجه اللسان هو
الأهم بكثير؛ ذلك لأن
ما يسكن في
قلوبنا يتدفق حتماً عبر
ألسنتنا. فإذا فاضت قلوبنا
بالحب، نطقنا برسالة حب؛
وعلى العكس من ذلك،
إذا تجذرت الكراهية
وأثمرت في قلوبنا،
فلا بد أن
تنطلق كلمات الكراهية. صحيح
أن المرء قد
يضمر الكراهية في قلبه
بينما ينطق كذباً بعبارة
"أنا أحبك"، إلا
أن المسار الطبيعي
للأمور يقتضي أن القلب
الممتلئ بالكراهية سيُنتج حتماً
كلمات كراهية. لذا، وبينما
نتأمل في وصف
"اللسان كقلم كاتب ماهر"
الذي ذكره صاحب المزمور،
يجب علينا أيضاً
أن ننظر في
قلب الشخص الذي
يمتلك هذا اللسان. وقد
حددتُ صفتين رئيسيتين لمثل
هذا القلب:
أولاً،
قلب الشخص الذي
يكون لسانه كقلم كاتب
ماهر هو "قلب صالح".
انظر
إلى المزمور 45: 1: "فَاضَ
قَلْبِي بِكَلاَمٍ صَالِحٍ. أَتَكَلَّمُ
بِأَعْمَالِي عَنِ الْمَلِكِ. لِسَانِي
قَلَمُ كَاتِبٍ مَاهِرٍ". هنا،
يقر صاحب المزمور
بأن قلبه يفيض
بكلمات صالحة. فإذا كانت
قلوبنا صالحة، فلا يسعنا
إلا أن ننطق
بكلمات صالحة. إذن، ما
هو "القلب الصالح"؟
عندما أفكر في كلمة
"صالح"، أتذكر
"المرأة الفاضلة" الموصوفة في سفر
الأمثال 31: 10 وما بعدها. يقول
الكتاب المقدس إن هذه
المرأة الفاضلة "تَفْتَحُ فَمَهَا بِالْحِكْمَةِ،
وَفِي لِسَانِهَا سُنَّةُ الْحَنَانِ" (الآية
26) —أو كما تذكر ترجمات
أخرى، إنها تنطق بـ
"شريعة اللطف". وبعبارة أخرى، لأنها
تشعر وتختبر رحمة الله
ومحبته في قلبها،
فإنها تنطق بشريعة اللطف
بلسانها. وبالمثل، إذا ذقنا
ورأينا محبة الله وصلاحه
(مزمور 34: 8)، فلا
يسعنا إلا أن ننطق
بكلمات صالحة.
بصفتنا
مؤمنين بيسوع، يجب أن
نكون قادرين على الإقرار
بالإيمان بأن "الله صالح"، مهما
كانت ظروفنا صعبة أو
قاسية. إذا كنا نرنم
ترنيمة "أبٌ صالحٌ جداً"
(أو "الله صالح") فقط
عندما تكون الحياة هادئة
والأمور تسير على ما
يرام، ونتوقف عن ترنيمها
حين تغمرنا المصاعب
والمحن، فإنني أرى في
ذلك دليلاً على
عجزنا عن استشعار
أو إدراك صلاح
الله ومحبته في قلوبنا.
أما إذا استطعنا
أن نتسامى فوق
ظروفنا - ومهما كان الوضع
- ونعلن بثقةٍ كلمات صاحب
المزمور: "إِنَّمَا خَيْرٌ وَرَحْمَةٌ
يَتْبَعَانِنِي كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي"
(مزمور 23: 6)، فإننا
سننظر إلى الله بإيمانٍ
يتجاوز ظروفنا الراهنة. وحينها
سنسبّح الله الصالح، واثقين
بأن "كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ
مَعاً لِلْخَيْرِ" (رومية 8: 28). فالقلب الممتلئ بهذا
الصلاح لا ينطق
إلا بكلماتٍ صالحة.
ثانياً،
إن قلب من
يكون لسانه "كَقَلَمِ كَاتِبٍ مَاهِرٍ"
هو قلبٌ ممتلئٌ
بالنعمة.
تأمل
في مزمور 45: 2: "أَنْتَ
أَبْرَعُ جَمَالاً مِنْ بَنِي
الْبَشَرِ. انْسَكَبَتِ النِّعْمَةُ عَلَى شَفَتَيْكَ، لِذلِكَ
بَارَكَكَ اللهُ إِلَى الأَبَدِ".
إن شفتي الملك
الذي باركه الله - بل
وشفتينا نحن المؤمنين أيضاً
- يجب أن تكونا
ممتلئتين بالنعمة. وبعبارة أخرى،
لكي نمجّد الله
بشفاهنا، يجب أن ننطق
بكلماتٍ تمنح النعمة للآخرين؛
ولتحقيق ذلك، لا بد
أن تمتلئ قلوبنا
بنعمة الله. فإذا أدركنا
- مثل الرسول بولس - أننا
"بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا
أَنَا" (1 كورنثوس 15: 10) وعشنا حياة إيمانٍ
تملؤها تلك النعمة، فإن
حديثنا سيكون بطبيعته "دَائِماً
بِنِعْمَةٍ، مُصْلَحاً بِمِلْحٍ" (كولوسي
4: 6). وهكذا، سنمجّد الله بشفاهنا
بينما نفيض بالنعمة على
الآخرين.
لقد قال يسوع: "لَيْسَ مَا يَدْخُلُ الْفَمَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ، بَلْ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ هذَا يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ" (متى 15: 11)، مضيفاً أن "الأَشْيَاءَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ، إِنَّمَا تَصْدُرُ مِنَ الْقَلْبِ" (الآية 18). فإذا لم تكن قلوبنا طاهرة، فلن تكون الكلمات الخارجة من أفواهنا طاهرة أيضاً. غير أن قلوبنا قد تطهّرت بالفعل بدم يسوع الثمين الذي سُفك على الصليب؛ فنحن أبناء الله، وقد نلنا الخلاص بنعمته. لذا، وبصفتنا أفراداً يزدادون معرفةً بهذه النعمة -عمقاً واتساعاً- ينبغي أن تتدفق من شفاهنا كلماتٌ طيبةٌ تنبع من قلبٍ تملؤه النعمة. وعلاوةً على ذلك، فبعد أن ذقنا صلاح الله، يتحتم علينا أن ننطق بكلماتٍ صالحةٍ تصدر عن قلبٍ صالح. وإنها لصلاتي أن يتجلى صلاح الله ونعمتُه من خلال ألسنتنا، لتكون بمثابة قلمِ كاتبٍ ماهرٍ ومستعد
댓글
댓글 쓰기