الظلمة تزول، والنور الحقيقي يضيء الآن.
[1 يوحنا 2: 7–11]
"أيها
الأحباء، لست أكتب إليكم
وصية جديدة، بل وصية
قديمة كانت عندكم من
البدء. والوصية القديمة هي
الكلمة التي سمعتموها. وفي
الوقت نفسه، أكتب إليكم
وصية جديدة، هي حق
فيه وفيكم، لأن
الظلمة تزول والنور الحقيقي
يضيء الآن. من يقول
إنه في النور
وهو يبغض أخاه،
فهو لا يزال
في الظلمة. ومن
يحب أخاه يثبت
في النور، وليس
فيه ما يعثره.
أما من يبغض
أخاه فهو في الظلمة
ويسلك في الظلمة،
ولا يعلم إلى
أين يذهب، لأن
الظلمة قد أعمت
عينيه."
أيها
القديسون الأحباء، في نظركم،
هل تُعد كنيسة
"فيكتوري" المشيخية (Victory Presbyterian
Church) مجتمعاً غنياً بمحبة الرب؟
وهل تختبرون تماماً
محبة يسوع المسيح الدافئة
داخل كنيستنا؟
مع
بداية عام 2019، تبنينا
شعار "أحبوا بعضكم بعضاً".
ولتطبيق هذا الشعار عملياً
في حياتنا، وضعنا
ثلاثة أهداف محددة: تقديم
الشكر، والغفران، والتضحية. وانطلاقاً
من هذا الالتزام
بالطاعة، دأبت الجماعة بأكملها
-في كل يوم
أحد عند تقديم
العطايا لله- على ترنيم
ترنيمة "المحبة صبورة دائماً"
بصوت واحد. ثمة سبب
رعوي واضح لاختياري هذه
الترنيمة تحديداً لوقت تقديم
العطايا كل أسبوع؛
ففي لحظة تقديم
العطايا -حين تقدم الجماعة
هداياها المادية الثمينة لله-
رغبنا في أن
نجدد مراراً وتكراراً عهداً
مقدساً ينبع من أعماق
قلوبنا بأن "نحب بعضنا
بعضاً حتى النهاية أمام
الله". وتقول كلمات الترنيمة:
المحبة صبورة ولطيفة؛ لا
تحسد، ولا تفتخر، ولا
تتكبر. المحبة لا تتصرف
بوقاحة، ولا تطلب ما
لنفسها، ولا تغضب بسرعة،
بل تفرح بالحق.
المحبة تحتمل كل شيء،
وترجو وتؤمن وتصبر؛ والمحبة
تبقى ثابتة إلى الأبد.
الإيمان والرجاء والمحبة باقية
إلى نهاية العالم،
وأعظم هذه الثلاثة هي
المحبة. تستمد هذه الكلمات
جذورها الراسخة من "إصحاح
المحبة" الشهير في الكتاب
المقدس: رسالة كورنثوس الأولى،
الإصحاح الثالث عشر. لذا،
حين نُقدم هذا
الإقرار الإيماني مقترناً بالعشور
والتقدمات كل يوم
أحد، ينبغي أن يصاحبه
موقفٌ يتسم بالتواضع وعزمٍ
راسخٍ - يتجاوز مجرد أداء
ترنيمة - على "الطاعة الكاملة
لشريعة المحبة الواردة في
كورنثوس الأولى 13، أي
كلمة الله". ولماذا يُعد هذا
الإقرار وهذا الالتزام أمراً
بالغ الأهمية لنا اليوم؟
السبب هو أننا
نعيش - تماماً كما حذّر
الرب بشأن الأيام الأخيرة
في إنجيل متى
24: 12 - في حقبة تشبه ليلةً
باردةً حيث "تكثر الآثام
وتبرد محبة الكثيرين".
وحتى
الآن، كلما رنّمتُ هذه
الترنيمة مع الجماعة
أثناء العبادة يوم الأحد،
يتردد صدى عبارة "المحبة
تحتمل كل شيء،
وترجو، وتصدّق، وتصبر" بعمق
في قلبي. وعلى
وجه الخصوص، تمنحني
كلمات "المحبة ترجو وتصدّق"
عزاءً وقوةً عظيمين لروحي.
ولعل سبب هذا الشعور
القلبي العميق يعود إلى
توجّه أفكاري نحو الإخوة
والأخوات في الإيمان
من حولي، الذين
يعانون حالياً من مصاعب
وآلام خفية. إنه شعور
ينبع من صلاة
رعوية تتدفق في قلبي؛
صلاةٌ تطلب من الله
الأمين - حتى حين يواجهون
ظروفاً يائسة تبدو فيها
كل السبل مسدودة
ولا يلوح في
الأفق أي أمل
- أن يسكب فيهم إيماناً
سماوياً راسخاً؛ إيماناً يشبه
إيمان إبراهيم، أبي الإيمان،
الذي "على خلاف الرجاء،
آمن على الرجاء"
(رومية 4: 18).
في
نص اليوم، المأخوذ
من رسالة يوحنا
الأولى 2: 8، يدعونا
الرسول يوحنا للدخول في
حقبة جديدة ومجيدة، ويعلن
حقيقة عظيمة: "أكتب إليكم وصية
جديدة، هي حق
فيه وفيكم، لأن
الظلمة تزول والنور الحقيقي
يضيء الآن". وتُقدم "الترجمة الكورية المعاصرة"
هذه الآية بوضوح
أكبر قائلة: "ومع ذلك، أكتب
إليكم وصية جديدة مرة
أخرى. ولأن الظلمة تزول
والنور الحقيقي يضيء الآن،
فإن تلك الوصية
حقيقية بالنسبة للمسيح ولكم
على حد سواء".
وبينما كنت أتأمل في
هذه الكلمات، أسرني
بعمق ذلك الإعلان القائل
بأن "الظلمة تزول والنور
الحقيقي يضيء الآن". استرشاداً
بالبصيرة الروحية التي يمنحها
الرب، تأملتُ بعمق في
هذا النص وقسمته
إلى بُعدين رئيسيين.
أولاً،
علينا أن نتأمل
بعمق في المعنى
الحقيقي لهذا الإعلان المهيب:
"الظلمة تزول، والنور الحقيقي
يضيء الآن".
يعلن
الرسول يوحنا أن الليل
الروحي ينحسر وأن فجر
الحياة الواسع قد بزغ.
فما الذي يعنيه
تحديداً "إشراق النور الحقيقي"
—الذي شدد عليه الرسول
بقوة— في سياق تاريخ فدائنا؟
لقد سعيتُ إلى
شرح معنى هذا
الإعلان المهيب بعمق من
خلال دراسته من منظورين.
المنظور
الأول يتعلق بماهية "النور
الحقيقي" الذي أعلن عنه
الرسول يوحنا، وماهية "الظلمة"
التي تقابله وتناقضه.
عندما
نتحدث عن "النور الحقيقي"
هنا، يتبادر إلى أذهاننا
تلقائياً وصف الله بأنه
مَن "ليس فيه ظلمة
البتة"، وهي
حقيقة تأملنا فيها في
رسالة يوحنا الأولى (1: 5). ومع
ذلك، يعلن الرسول أن
هذا النور الحقيقي
"يضيء الآن" في هذا
العالم (1 يوحنا 2: 8). وبالنظر إلى هذا
الإشراق التاريخي، نجد أن
النور الحقيقي الذي يتحدث
عنه يوحنا يشير
إلى ابن الله
—يسوع المسيح— الذي جاء إلى هذه
الأرض متجسداً. وهذا ما
تؤكده بوضوح الآية في
إنجيل يوحنا (1: 9): "كان النور الحقيقي
الذي ينير كل إنسان
آتياً إلى العالم". واستناداً
إلى هذا النص،
يتضح أن "النور الحقيقي"
المذكور في رسالة
يوحنا الأولى (2: 8) يعني يسوع المسيح
نفسه، ابن الله، الذي
دخل في صميم
التاريخ البشري قبل ألفي
عام.
لماذا
إذن تعمّد الرسول
يوحنا استخدام وصف "النور
الحقيقي" بدلاً من الاكتفاء
بكلمة "النور"؟ لقد
وجدتُ الخلفية الروحية لذلك
في رسالة كورنثوس
الثانية (11: 14). إذ تقدم
"الترجمة الكورية المعاصرة" (Hyundai-in-ui Seong-gyeong) هذا التحذير: "لا
عجب في ذلك؛
فالشيطان نفسه يغيّر شكله
ليظهر في صورة
ملاك نور". إن السبب
الحاسم الذي دفع يوحنا
لوصف يسوع المسيح بـ
"النور الحقيقي" في رسالته
كان بالتحديد للتصدي
لخداع الشيطان، الذي يتنكر
بمكر في هيئة
"ملاك نور". سعت التعاليم الهرطقية
وقوى الشيطان -التي هزت
أركان الكنيسة في ذلك
الوقت- باستمرار إلى خداع
المؤمنين من خلال
التظاهر بأنها "النور الحقيقي". ولإقامة
تمييز قاطع بين الرب
وبين تلك الأنوار الزائفة
أو المتنكرة، أعلن
يوحنا أن يسوع
المسيح وحده هو "النور
الحقيقي" الفريد والمطلق، القادر
على تحطيم قوى
الظلمة مرة واحدة وإلى
الأبد. ونظراً لأن هذه
"الأنوار الزائفة" الخادعة كانت تضلل
المؤمنين، أكد الرسول يوحنا
أن الله وحده
هو "النور الحقيقي". فإذا
كان "النور الحقيقي" يشير
إلى الابن، يسوع
المسيح، فإن "النور الزائف"
الذي يعارضه لا يمثل
سوى قوى الشيطان
وضد المسيح (المسيح
الدجال). وتكشف الآيتان 18 و22
من رسالة يوحنا
الأولى (الإصحاح الثاني) بوضوح
تام حقيقة هذا
الخداع: "يا أولادي،
هي الساعة الأخيرة.
وكما سمعتم أن ضد
المسيح يأتي، قد صار
الآن أضداد للمسيح كثيرون.
من هنا نعلم
أنها الساعة الأخيرة... من
هو الكذاب إلا
الذي ينكر أن يسوع
هو المسيح؟ هذا
هو ضد المسيح،
الذي ينكر الآب والابن".
وحين كتب الرسول يوحنا
هذه الرسالة، كان
العديد من أضداد
المسيح قد ظهروا
بالفعل -سواء داخل جماعة
المؤمنين أو خارجها-
ليعملوا على تقويض الحق.
وإذ كان يدرك
تماماً طبيعة الحرب الروحية
الضارية التي تميز "الأيام
الأخيرة" هذه، فقد أعلن
بقوة أن يسوع
المسيح هو "النور الحقيقي"
الوحيد الكفيل بحماية المؤمنين
من تلك الأنوار
الزائفة.
وعلاوة
على ذلك، وبينما
أتأمل في التباين
بين "النور الحقيقي" و"الظلمة" في نص
اليوم (1 يوحنا 2: 8)، أتذكر
الأبعاد الروحية الأربعة للنور
والظلمة التي سبق أن
درسناها بعمق من خلال
الآيات (1 يوحنا 1: 5-10): (1) الحياة والموت: النور
هو الحياة الأبدية،
بينما الظلمة هي الموت
الأبدي (يوحنا 1: 4؛ 1 يوحنا
1: 1-2).
(2) الحق
والباطل: النور هو حق
الله، بينما الظلمة هي
باطل الشيطان (1 يوحنا 1: 6).
(3) المحبة
والكراهية: النور هو محبة
الرب، بينما الظلمة هي
الكراهية الآثمة (1 يوحنا 2: 9،
11). (4) البر واللا-بر: النور
هو بر الله،
بينما الظلمة هي الشر
واللا-بر (1 يوحنا 1: 9؛
3: 12).
في
ضوء ذلك، عندما
ذكر الرسول يوحنا
في نص اليوم
أن "النور الحقيقي قد
أضاء"، أيّاً
من هذه الأبعاد
الأربعة كان يضعه نصب
عينيه بشكل أساسي؟ إنه
التضاد الثالث: "المحبة والبغضة". ويكمن
السبب المحدد لذلك في
الآيات اللاحقة — 1 يوحنا 2: 9-11 — حيث يركز الرسول
يوحنا على المقارنة بين
الحالات الروحية لمن يحبون
إخوتهم ومن يبغضونهم، موضحاً
بشكل شامل أن ثمر
النور الحقيقي هو، قبل
كل شيء، "المحبة".
لقد
خطوتُ خطوةً أخرى نحو
التأمل العميق في الدلالة
التاريخية الخلاصية لتصريح الرسول
يوحنا بأن الظلمة "تزول"
وأن النور الحقيقي
"قد أضاء".
أولاً،
ما هو المعنى
الدقيق للفعل "يزول" في هذا
السياق؟ يظهر الفعل اليوناني
ذاته في 1 يوحنا 2: 17: "العالم
وشهوته يزولان، وأما الذي
يصنع مشيئة الله فيثبت
إلى الأبد". وكما
جاء في ترجمة
"الكتاب المقدس للناس المعاصرين"
(Bible for Modern People)، فإن هذا العالم
— وطمع الإنسان فيه — يشبه
الضباب الذي سيزول في
النهاية. وثمة نقطة لاهوتية
جديرة بالملاحظة هنا، وهي
أن الفعل "يزول"
يرد بصيغة المضارع
المستمر. وبعبارة أخرى، فإن
العبارة الواردة في 1 يوحنا
2: 8 بأن "الظلمة تزول" تشير
إلى حقيقة روحية
مفادها أن هذا
العالم والشهوات المتجهة نحوه
تتداعى وتتلاشى بلا توقف
في هذه اللحظة
بالذات، وهي تمضي نحو
نهايتها.
ما
هي، على وجه
التحديد، "العالم" و"الشهوات" التي
أشار إليها الرسول يوحنا؟
إنها بالضبط ما ورد
ذكره في رسالة
يوحنا الأولى (2: 16) تحت مسمى "كل
ما في العالم"، وهي:
"شهوة الجسد، وشهوة العين،
وتعظم المعيشة". ولذلك، فإن الإعلان
القائل بأن "الظلمة تزول"
هو إعلان نصرةٍ
عظيمٍ ومجيد؛ إنه إعلانٌ
إنجيليٌ جليلٌ بأن مملكة
الخطية —التي يحكمها الشيطان
وضد المسيح (الأنوار
الزائفة)— ومعها شهوة الجسد
وشهوة العين وتعظم المعيشة
التي تفشت تحت ذلك
السلطان، فضلاً عن منظومة
الظلام بأسرها (بما فيها
الموت الأبدي والزيف والكراهية
واللا-بر) التي أوقعتنا
سابقاً في شباك
أجرة الخطية، كل ذلك
يتفكك تماماً ويزول في
هذه اللحظة بالذات
مع بزوغ "النور
الحقيقي".
لماذا
إذن تزول قوى
الظلام وأنظمة الشهوة التابعة
لها بهذا الحسم
في هذه اللحظة؟
السبب الجوهري هو أن
يسوع المسيح —"النور الحقيقي"— يُسلط
نوره بالفعل على الظلمة،
تماماً كما أعلن الرسول
يوحنا في رسالته
الأولى (2: 8). فحين يحل النور،
تنحسر الظلمة حتماً. وما
هي، إذن، الدلالة
الدقيقة —من منظور
تاريخ الخلاص— لقول الرسول إن النور
الحقيقي "يُضيء بالفعل"؟
تشهد الآيات (4-5) من الإصحاح
الأول في إنجيل
يوحنا على هذا السر
قائلة: "فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ،
وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ.
وَالنُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ،
وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ". وكما
تترجمه "النسخة الكورية المعاصرة"، كانت
الحياة في المسيح،
وكانت هذه الحياة نوراً
للبشرية؛ ورغم أن هذا
النور أضاء ببهجة وسط
الظلمة، إلا أن الظلمة
لم تدرك قوة
ذلك النور ولم
تجرؤ على ابتلاعه. لقد
دخل يسوع المسيح،
النور الحقيقي —"نور الناس" (يوحنا
الأولى 1: 4) و"نور العالم"
(يوحنا 9: 5)— شخصياً إلى عالم
التاريخ المظلم هذا قبل
ألفي عام. وقد أقر
الرسول يوحنا بهذه الحقيقة
الروحية بمشاعر عميقة في
رسالته الأولى (1: 2) قائلاً: "هَذِهِ الْحَيَاةُ أُظْهِرَتْ".
بعبارة أخرى، كان يسوع
المسيح -النور الحقيقي- موجوداً
أزلياً مع الله
الآب بصفته "الحياة الأبدية"،
وذلك قبل أن يظهر
شخصياً على الأرض من
أجلنا. فإلى عالمٍ يغصّ
بخطاةٍ بؤساء -محكوم عليهم
بالهلاك الأبدي وسط الغضب
والظلمة بسبب عصيان الإنسان
الأول، آدم- نزل الابن
الوحيد، يسوع المسيح، حاملاً
معه نور الحياة.
وفي
النصف الثاني من نص
اليوم (رسالة يوحنا الأولى
2: 8)، يخطو الرسول يوحنا
خطوة أبعد، معلناً أن
"النور الحقيقي قد أضاء
بالفعل". ثمة حقيقة لاهوتية
هنا تستوجب منا
انتباهاً دقيقاً: فالفعل "يضيء"
(أو "قد أضاء")
-تماماً مثل عبارة "الظلمة
تزول" التي تأملناها سابقاً-
يرد في صيغة
المضارع في اللغة
اليونانية الأصلية. ولصيغة الفعل
هذه دلالة روحية
عميقة؛ فكما أن مملكة
الظلمة تتداعى وتزول الآن
نحو نهايتها المحتومة،
فإن يسوع المسيح
-الذي جاء إلى هذا
العالم بصفته النور الحقيقي
قبل ألفي عام-
لم يكتفِ بإشراقٍ
عابرٍ ثم تلاشى؛
بل إنه حتى
الآن، وهو جالس عن
يمين العرش بعد قيامته
وصعوده، يواصل الرب إشراق
نور الحياة الأبدية
الحقيقي بلا انقطاع في
واقعنا القاحل الشبيه بالصحراء
وفي أعماق وديان
نفوسنا. إننا شعبٌ مباركٌ
في هذا العصر،
نعيش كل يوم
مستمدين قوتنا من ذلك
النور ذاته. ثانياً، في
عصر النعمة هذا
حيث يسطع النور
الحقيقي بلا توقف، يتحتم
علينا أن نميّز
بجديةٍ تامةٍ من ينتمي
حقاً إلى النور ومن
لا يزال قابعاً
في الظلمة.
يطرح
الرسول يوحنا سؤالاً من
خلال عقد مقارنة صارخة
بين الحالات الروحية
للمؤمنين الذين يعيشون في
عصر النور الحقيقي
هذا. ففي هذا الزمن،
وبينما يسطع النور ببهائه،
كيف يمكن تمييز
"أبناء النور" الحقيقيين -الذين يعترف الله
بهم- عن "العميان في
الظلمة" -الذين يظلون تحت
سلطان الشيطان- وذلك من
خلال الأدلة التي تظهر
في حياتهم؟ تزن
فقرة اليوم (1 يوحنا 2: 9-11) بدقة
حياة المؤمن الذي يقف
عند الحد الفاصل
بين النور والظلمة:
"مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ فِي
النُّورِ وَهُوَ يُبْغِضُ أَخَاهُ،
فَهُوَ فِي الظُّلْمَةِ حَتَّى
الآنَ. مَنْ يُحِبُّ أَخَاهُ
يَثْبُتُ فِي النُّورِ وَلَيْسَ
فِيهِ عَثْرَةٌ. وَأَمَّا مَنْ
يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ فِي
الظُّلْمَةِ، وَفِي الظُّلْمَةِ يَسْلُكُ،
وَلاَ يَعْلَمُ أَيْنَ يَمْضِي،
لأَنَّ الظُّلْمَةَ أَعْمَتْ عَيْنَيْهِ". وفي
معرض مخاطبته للمسيحيين من
أصل يهودي الذين
تلقوا هذه الرسالة، يميّز
الرسول يوحنا بوضوح وحزم
بين أبناء النور
وأبناء الظلمة؛ إذ يعلن
من جديد "الوصية
القديمة" -التي عرفوها منذ
البدء- باعتبارها "وصية جديدة" قوية
وفاعلة (1 يوحنا 2: 7-8).
لماذا
دوّن الرسول، في شيخوخته،
وصية المحبة هذه بمثل
هذا الإلحاح العميق
النابع من صميم
القلب؟ لقد كان ذلك
لأن المؤمنين في
ذلك الزمان واجهوا
واقعاً كانت فيه مملكة
الظلمة تتداعى وتنهار، بينما
استمر مجد يسوع المسيح
-النور الحقيقي- يسطع على
حياتهم. ولذلك، كان يوحنا
يرغب بشدة في أن
يخلع القديسون -بما يليق
بقدوم ذلك النور الباهر-
قناع الرياء، وأن يمضوا
قُدماً، بصفتهم أبناء للنور،
نحو حياة تتحدد
سماتها فقط بـ "أن
يحب بعضنا بعضاً"
(1 يوحنا 3: 23).
لماذا
إذن رغب الرسول
يوحنا بشدة في أن
يعيش القديسون حياة المحبة
الحارة لبعضهم البعض كأبناء
للنور؟ ثمة ثلاثة أسباب
رعوية رئيسية تكمن وراء
سياق هذه الفقرة.
أولاً:
لأن محبة الله
تتكامل فينا.
فالمؤمنون
بيسوع المسيح -النور الحقيقي
والحياة الأبدية- الذين يتمتعون
بشركة عمودية مع الله
(1 يوحنا 1: 6) ويحفظون وصايا الرب
حفظاً تاماً (1 يوحنا 2: 3،
5)، يصلون إلى
مرحلة محبة القريب كنفسهم.
ومن خلال مسيرة
الطاعة هذه، تبلغ محبة
الله الكاملة تمامها في
صميم قلب المؤمن (1 يوحنا
2: 5).
ثانياً:
لأن الفرح السماوي
يملأنا فيضاً. عندما نعيش
وفقاً لوصية المحبة، فإن
فرح الله المقدس
—الذي لا يستطيع
العالم أن يمنحه— يتدفق ويفيض كالأمواج داخل
الجماعة وفي نفس الفرد
(1 يوحنا 1: 4).
ثالثاً،
لأن هذا الأمر
يمثل قناةً لتذوق الحياة
الأبدية السماوية ونحن لا
نزال على الأرض.
إن
الحياة التي تُعاش في
ظل هذه المحبة
هي أروع حقائق
الإيمان؛ فهي تتيح لنا
أن نختبر —وإن
كان ذلك جزئياً— الحياة الأبدية الكاملة التي
سنتمتع بها في السماء،
لنتذوقها كواقع ملموس وسط
هذه الأرض القاحلة
والمُنهِكة (1 يوحنا 1: 4).
وهذا
يكمن في صميم
السبب الذي جعل الرسول
يوحنا يشدد مراراً ويكتب
للمسيحيين من أصل
يهودي عن شريعة
المحبة هذه، التي هي
وصية قديمة وجديدة في
آن واحد. فالحياة
التي تحتضن الأخ وتحبه
كنفسها هي السبيل
الوحيد لتحقيق "حياة التلميذ الذي
يسلك كما سلك يسوع"
(1 يوحنا 2: 6)؛ وهو
المفهوم الذي تأملنا فيه
سابقاً. واليوم، يحثنا يوحنا
بلطف —ونحن نعيش في
عصر تبرد فيه
المحبة— على السير بشجاعة في
طريق المحبة، التي هي
ثمرة النور الحقيقي.
ولكن،
في عصر النعمة
هذا حيث يسطع
النور الحقيقي ببهائه، ما
هي المشكلة المؤلمة
التي نواجهها اليوم؟ إن
نص اليوم، الوارد
في (1 يوحنا 2: 9)، يكشف
بوضوح صارخ عن نفاقنا
الديني المستتر: "مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ
فِي النُّورِ وَهُوَ
يُبْغِضُ أَخَاهُ أَوْ أُخْتَهُ،
فَهُوَ لاَ يَزَالُ فِي
الظُّلْمَةِ". وكما تترجمه "النسخة
الكورية المعاصرة"، فإن
من يدعي العيش
في النور بينما
يبغض أخاه في الواقع،
هو مجرد شخص
أسير لظلمة عميقة وملموسة.
وهنا، نتذكر مرة أخرى
المعيار الجليل الوارد في
(1 يوحنا 2: 6)، والذي
تأملنا فيه بعمق من
قبل: "مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ
يَحْيَا فِيهِ، يَجِبُ عَلَيْهِ
أَنْ يَسْلُكَ كَمَا سَلَكَ
يَسُوعُ". والسبب الحاسم الذي
دفعني للتأمل العميق في
الرابط بين هاتين الآيتين
هو العبارة الواردة
في الآية 9: "يَدَّعِي
أَنَّهُ فِي النُّورِ". بعبارة
أخرى، الشخص الذي يعترف
بشفتيه بأنه يحيا في
يسوع المسيح (الآية 6) يجب
أن يكون أيضاً
ممن يسكنون في
النور (الآية 9). وإذا كان
المرء يسكن حقاً في
النور، فمن الطبيعي أن
يعيش تماماً كما عاش
يسوع المسيح —النور الحقيقي— (الآية 6).
أيها
القديسون الأحباء، ماذا يعني
إذن في الواقع
ذلك النهج في
الحياة الذي سار عليه
يسوع المسيح؟ هل أحبنا
الرب —نحن وإخوتنا وأخواتنا
في الإيمان الذين
لا يُحصى عددهم— أم أنه أبغضنا؟ قد
نعتبر هذا السؤال ذا
إجابة واضحة وبديهية تماماً؛
فكما يعلم الكون بأسره،
أحب ربنا إخوته
محبةً عارمةً لدرجة أنه
بذل حياته على
الصليب. فكيف ينبغي لنا
إذن —نحن الذين نفتخر
بأننا نعيش في المسيح
ونُدعى أبناء النور— أن نسلك في هذا
العالم اليوم؟ أليس من
اللائق بنا أيضاً أن
نحب إخوتنا من
كل قلوبنا، تماماً
كما فعل يسوع؟
ولكن للأسف، من الواضح
أنه كان بين
المسيحيين اليهود في الكنيسة
الأولى —الذين تلقوا رسالة
الرسول يوحنا— منافقون ادعوا ظاهرياً أنهم
يعيشون في النور،
بينما كانوا يضمرون الحسد
والكراهية تجاه إخوتهم في
الإيمان سراً (الآية 9). وهذا
التناقض الروحي المأساوي لا
يزال يتكرر بلا نهاية
في الكنيسة المعاصرة
وفي قلوبنا نحن
اليوم.
(1) نفاق
من لا يزال
يسلك في الظلمة
أيها
القديسون الأحباء، إذا اعترفنا
بألسنتنا بأننا نعيش في
الرب، ولكننا —بدلاً من
محبة جيراننا طاعةً لوصاياه
بصفتنا أبناء النور— نعيش حياةً تتسم بالحسد
والكراهية، فما هي حقيقتنا
الروحية؟ يعلمنا النص الذي
نتأمله اليوم (1 يوحنا 2: 7-11) حقيقتين
هامتين للغاية بشأن هذا
الأمر.
"مَنْ
يَدَّعِي أَنَّهُ فِي النُّورِ
وَلَكِنَّهُ يُبْغِضُ أَخَاهُ أَوْ
أُخْتَهُ، فَهُوَ لاَ يَزَالُ
فِي الظُّلْمَةِ." (1 يوحنا
2: 9، *النسخة الكورية المعاصرة*)
علاوة
على ذلك، فإن
من يدعي أنه
يسكن في النور
ولكنه يبغض أخاه، لا
يزال يسلك تحت سلطان
الظلمة. انظروا إلى الشطر
الأول من الآية
11: "مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ
فِي الظُّلْمَةِ وَيَسْلُكُ
فِي الظُّلْمَةِ..." وتصيغ
*النسخة الكورية المعاصرة* ذلك
على النحو التالي:
"الشخص الذي يبغض أخاه
لا يزال في
الظلمة ويعيش في الظلمة."
لنستذكر
معاً ما ورد
في رسالة يوحنا
الأولى (1: 5-6)، حيث
تأملنا سابقاً في هذه
الكلمات. فبما أن الله
نور وليس فيه
ظلمة البتة، فإن ادعاءنا
بوجود شركة مع الله
بينما نسلك في الظلمة
يُعد تصرفاً زائفاً ومخالفةً
للحق. وعند تطبيق هذا
المبدأ اللاهوتي على الآيتين
9 و11 من الإصحاح
الثاني —وهما محور تأملنا
اليوم— نجد أننا إذا ادعينا
الثبات في النور
ولكننا لا نحب
أخانا (بل نبغضه)، فإننا
نظل في الظلمة؛
ونصبح مجرد منافقين يعيشون
في الظلمة. وهذا
يمثل خطيئة جسيمة: إذ
يعني التصرف بزيف أمام
الله ومخالفة الحق.
ويؤكد
الرسول يوحنا هذه الحقيقة
بقوة في رسالة
يوحنا الأولى (4: 20) قائلاً: "إِنْ قَالَ أَحَدٌ:
«إِنِّي أُحِبُّ اللهَ» وَأَبْغَضَ
أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لأَنَّ
مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ
الَّذِي أَبْصَرَهُ، لاَ يَقْدِرُ أَنْ
يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ
يُبْصِرْهُ". وبتعبير مباشر كما
ورد في "الكتاب
المقدس الكوري المعاصر" (Hyundai-in-ui Seong-gyeong): "كل من
يدعي محبة الله ولكنه
يبغض أخاه فهو كاذب.
فالشخص الذي لا يستطيع
محبة الأخ الذي يراه،
لا يمكنه محبة
الله الذي لا يراه".
(2) من يدعي
أنه في النور
ولكنه يبغض أخاه، لا
يعرف إلى أين يذهب؛
لأن الظلمة قد
أعمَت عينيه.
يصف
"الكتاب المقدس الكوري المعاصر"
هذا الواقع الروحي
المأساوي في الشق
الثاني من الآية
(1يوحنا 2: 11) على النحو التالي:
"...لأن الظلمة قد أعمَت
عينيه، فهو لا يعرف
إلى أين يذهب".
أيها
القديسون الأحباء، ماذا سيحل
بحياتنا لو فَقَدنا
البصر؟ هل يوجد
إنسان واحد في الكون
بأسره يستطيع السير بخطى
مستقيمة نحو وجهة محددة
مع إدراك صحيح
للاتجاهات، بينما يحيط به
ظلام دامس من كل
جانب؟ إن الواقع
الأليم للأعمى هو أنه
لا يستطيع أن
يخطو خطوة واحدة صحيحة
إلى الأمام دون
مساعدة أو توجيه
كامل من شخص
آخر.
لقد
أعلن الرسول يوحنا في
(يوحنا 1: 5): "النُّورُ يُضِيءُ فِي
الظُّلْمَةِ، وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ". ثم،
في نص اليوم
— رسالة يوحنا الأولى 2: 11 — يوضح
الكاتب أن كل
من يبغض أخاه
هو أعمى روحيًا،
إذ تأسرُه تلك
الظلمة وتُعمي بصيرته. وعند
الربط بين هذين النصين،
نجد أن المشكلة
الجوهرية لدى من يدّعون
السلوك في النور
بينما يبغضون إخوتهم، تكمن
في أنهم لا
يعرفون يسوع المسيح — الذي
هو النور — معرفةً
حقيقية ولا يختبرون حياته.
وبشكل أكثر تحديدًا، فإن
أولئك الذين يدّعون بأفواههم
الثبات في يسوع
(النور) لكنهم يعودون ليبغضوا
إخوتهم في الإيمان،
يعجزون عن إدراك
الحياة الأبدية الكامنة في
طبيعة الرب ذاتها (يوحنا
1: 4-5).
إن
المؤمن الذي يثبت حقًا
في يسوع المسيح
— النور الحقيقي — يستمد قوته
من ملء الحياة
الأبدية الموجودة فيه، فيندفع
تلقائيًا لمحبة قريبه محبةً
صادقة وعميقة، تمامًا كما
يحب نفسه. أما
من يبغض أخاه،
فهو شخص يفتقر
إلى نور الحياة
هذا. وسبب ضلاله عن
طريق المحبة وتيهه بلا
هدف ليس أمرًا
آخر سوى أن
ظلمة الخطيئة قد أعمَت
عيني روحه تمامًا (رسالة
يوحنا الأولى 2: 11). وفي المقابل، كيف
تبدو حياتنا حين نتجاوز
مجرد الكلام الشفهي ونثبت
حقًا في الرب،
خادمين جيراننا وإخوتنا طاعةً
لوصية المحبة وبصفتنا أبناء
النور؟ كما تعلن رسالة
يوحنا الأولى 2: 10: "مَنْ يُحِبُّ أَخَاهُ
يَثْبُتُ فِي النُّورِ، وَلَيْسَ
فِيهِ عَثْرَةٌ". وكما تصفه "الترجمة
الكورية المعاصرة"، فإن
الشخص الذي يحب أخاه
يسير في حيوية
النور؛ ولذا، لا يوجد
أدنى أثر لظلمة مخزية
أو سبب للتعثر
في روحه أو
حياته.
أيها
القديسون الأحباء، إذا كنا
نعلن بأفواهنا إيماننا بيسوع
وثباتنا فيه، لكننا نفشل
في محبة إخوتنا
وأخواتنا — أو الأسوأ
من ذلك، نضمر
الكراهية تجاههم — ألا ينبغي
أن ينشأ في
أعماق نفوسنا شعور مقدس
بالاقتناع وتنبيهٌ للضمير؟ لا
يقتصر هذا الأمر على
المؤمنين معنا في الكنيسة
فحسب، بل يمتد
ليشمل البيت أيضًا؛ ذلك
المكان الذي يُعد أغلى
ميادين عملنا وملاذنا الآمن.
إذ يجب على
الزوج والزوجة أن يعتز
كل منهما بالآخر
بمحبة صادقة، وعلى الآباء
والأبناء أن يحبوا
بعضهم بعضًا محبةً كاملة،
وكل ذلك من
خلال محبة صليب الرب.
ومع ذلك، إذا
عصينا... إذا خالفنا وصية
الرب وأخفقنا في محبة
"عائلتنا" — أي الجيران
الأقرب إلينا، الذين جمعهم
الله بنفسه — وعاملناهم بدلاً
من ذلك بالكراهية
والاستياء، فمن الطبيعي — بل
ومن اليقين الروحي
— أن يظل في قلوبنا
ثقلٌ كبير وشعورٌ بالتعثر.
وإذا ارتكبنا خطيئة العصيان
هذه دون أن
نشعر بمثل هذا التوبيخ
الداخلي، ألا يُعد ذلك
دليلاً على أن أرواحنا
قد أصابها خدرٌ
شديد وأن ضمائرنا قد
قَسَتْ قسوةً مريعة؟
في
نص اليوم، الوارد
في رسالة يوحنا
الأولى (2: 10)، يعلن
الرسول يوحنا بوضوح: "مَنْ
يُحِبُّ أَخَاهُ يَثْبُتُ فِي
النُّورِ، وَلَيْسَ فِيهِ عِثْرَةٌ".
إذن، ما هو
المعنى الحقيقي لهذه البركة
— "عدم وجود عثرة" (أو
"انعدام سبب التعثر") — التي
تُمنح للمؤمنين وهم يسيرون
في طريق المحبة؟
لكي ندرك ذلك
تماماً، علينا أن ننظر
في ثلاثة نصوص
من إنجيل يوحنا،
كتبها المؤلف نفسه، وهو
الرسول يوحنا:
"فَعَلِمَ
يَسُوعُ فِي نَفْسِهِ أَنَّ
تَلاَمِيذَهُ يَتَذَمَّرُونَ عَلَى هذَا، فَقَالَ
لَهُمْ: «أَهذَا يُعْثِرُكُمْ؟»" (يوحنا
6: 61)
"أَجَابَ
يَسُوعُ: «أَلَيْسَتْ سَاعَاتُ النَّهَارِ اثْنَتَيْ
عَشْرَةَ سَاعَةً؟" "إِنْ كَانَ أَحَدٌ
يَمْشِي فِي النَّهَارِ لاَ
يَعْثُرُ، لأَنَّهُ يُبْصِرُ نُورَ
هذَا الْعَالَمِ" (يوحنا 11: 9).
"قَدْ
كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا لِكَيْ لاَ
تَعْثُرُوا" (يوحنا 16: 1).
عندما
نربط كلمات الرب هذه
-الواردة في إنجيل
يوحنا- بالنص الذي نتأمله
اليوم، نجد أن العبارة
الواردة في رسالة
يوحنا الأولى (2: 10) -أي "ليس فيه
عثرة"- تحمل معنىً لاهوتياً
عميقاً؛ فهي تعني خلو
النفس من أي
"حجر عثرة"، أو
عدم "التعثر" (أي السقوط
والابتعاد عن الإيمان)
بسبب الظلمة. وبعبارة أخرى،
إنها تأكيد بأن الذين
يحبون إخوتهم بصدق -مستعينين
بالرب الذي هو النور
الحقيقي- يسلكون في النور؛
وبالتالي، فهم لا يقعون
في فخ الكراهية
الذي ينصبه الشيطان، بل
يتمتعون ببركة عدم التعثر
روحياً أبداً. فالمحبة هي،
في الواقع، أأمن
درع يحمي نفس
المؤمن.
أيها
المؤمنون الذين يعيشون في
هذا العصر الحاضر،
ما هي حالة
قلوبنا الآن؟ هل نعيش
حقاً حياة صادقة أمام
الله، خالية من أي
سبب للعثرة؟ هل
نسير باستقامة في طريق
الإيمان الضيق -دون وجود
أي عثرات مظلمة
في قلوبنا- وذلك
من خلال الثبات
الكامل في يسوع
المسيح، النور الحقيقي، ومحبة
إخوتنا المؤمنين بمحبة متقدة؟
أم أننا -بينما
ندعي بفخر بألسنتنا أننا
أبناء النور- نجد أنفسنا
من الداخل... هل
تعيش وفي أعماق نفسك
ثقلٌ كبير، بينما تدين
شخصاً ما وتكرهه
باستمرار؟ علينا أن نفحص
بصدق أعماق قلوبنا في
ضوء الصليب، لنرى
ما إذا كنا
قد وقعنا في
قيود الكراهية المظلمة، وفقدنا
رؤيتنا الروحية، وبدأنا نتعثر
دون وعي منا
في مستنقع الهلاك.
أيها
القديسون الأحباء، أود أن
أختتم تأملنا اليوم. إن
يسوع المسيح -النور الحقيقي
والحياة الأبدية الذي كان
منذ البدء مع
الله الآب- قد ظهر
شخصياً في هيئة
بشرية في هذا
العالم المظلم المليء بالخطيئة.
ومن خلال مجيء
ذلك النور الحقيقي
المجيد، فإن مملكة الظلمة
التي كانت تغطي هذه
الأرض -حتى في هذه
اللحظة بالذات- تتداعى وتزول
وهي تمضي نحو
نهايتها. إن أنظمة
هذا العالم الشريرة
التي يحكمها الشيطان وضد
المسيح (ضد المَسِيحِ)، وشهوة
الجسد، وشهوة... ...العيون، وكبرياء الحياة
التي استعبدتنا لأجرة الخطيئة؛
وكل القوى المظلمة
للموت الأبدي البائس، والزيف،
والكراهية، والظلم—كلها تتحطم وتزول
نهائياً أمام سطوع النور
الحقيقي. ولذلك، وبصفتنا أبناءً
للنور الحقيقي نؤمن بيسوع
المسيح مخلصاً، يجب علينا
أن نطيع وصية
الرب السماوية وأن نحب
جيراننا بمحبة متقدة. وحين
نحب بعضنا بعضاً
وفقاً لكلمة الرب—نحن الذين نملك
بالفعل الحياة الأبدية بالإيمان
بيسوع المسيح—ستغمرنا الفرحة السماوية
التي وعد بها وتفيض
فينا، تماماً كأمواج البحر
المتلاطمة. وعلاوة على ذلك،
سنتمتع ببركة مذهلة تتمثل
في تذوق حقيقة
تلك الحياة الأبدية—وإن كان ذلك
جزئياً فقط—وهي الحياة التي
ستتحقق بملئها في السماء،
ولكننا نختبرها هنا على
هذه الأرض القاحلة.
أما
إذا ادعينا بثقة
بألسنتنا أننا نسكن في
النور، بينما نحيد عن
طريق الإيمان... وإذا أضمرنا الحسد
والكراهية تجاه إخوتنا وأخواتنا،
فإننا لا نعدو
كوننا متدينين بؤساء محبوسين
في ظلام بارد.
إن كل من
يبغض عضواً آخر في
جسد المسيح يمارس
أعمال الظلمة؛ فهو يتحدى
الحق وينخرط في أباطيل
قبيحة أمام الله والناس.
وفضلاً عن ذلك،
ولأن ظلام الكراهية المخيف
قد أعْمى عيون
الروح تماماً، يقع المرء
في حالة من
العمى الروحي—غير مدرك للمكان
الذي يسير فيه أو
أنه يندفع بتهور
نحو الهلاك. ويُعد
هذا دليلاً واضحاً
على النفاق، إذ
يكشف أن المرء
لم يعرف يسوع
المسيح—النور الحقيقي—ولم يلتقِ به
حقاً في حياته.
إذا
كنا قد اختبرنا
الرب—النور الحقيقي—وعرفناه حقاً، فيجب
أن تمتلئ حياتنا
بـ "ثمر المحبة". فالذين
يدعون أنهم يعيشون في
يسوع المسيح يجب أن
يسلكوا كما سلك هو.
وبعبارة أخرى، تماماً كما
أحبنا يسوع لدرجة أنه
بذل حياته على
الصليب ليخلصنا، يجب علينا
نحن أيضاً أن
نحب جيراننا وإخوتنا
في الإيمان—الذين ائتمننا الرب
عليهم—بكل حياتنا وقلوبنا.
وبينما نسير بثبات في
طريق المحبة الضيق هذا،
ستختبر نفوسنا تحرراً حقيقياً،
وستبقى في مأمن
من أي فخ
ينصبه الشيطان ليعثرنا؛ وسنتمتع
بـ "حياة نور بلا
عثرة" رائعة، خالية من
أي سبب للخجل
أمام... ...أمام العرش أو
أمام الآخرين. وفي هذه
الأيام الأخيرة الآفلة، أصلي
بصدقٍ باسم الرب أن
ننبذ بحزمٍ ظلامَ النفاق
والكراهية، وأن نجسّد محبة
الصليب بالكامل، ونعيش منتصرين
كأبناءٍ للنور الحقيقي؛ سالكين
كل يومٍ دون
تعثّرٍ أو تسبّبٍ
في عثرة الآخرين.
댓글
댓글 쓰기